تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
وجودها الخارجي حاضرا عند المخاطب سقط اعتبار اللفظ ، بل لا يحتاج إلى إشارة عقليّة ولا حسيّة ، لكونها مدركة بصريح المشاهدة ، ولما لم يتصور لحقيقة الباري صورة ذهنية مطابقة لذاته ، فلا يمكن الدلالة عليه بالألفاظ الدالة على الصورة الذهنية المطابقة له ؛ ولا اسم لذاته المخصوصة أيضا إذ لا يمكن نيل ذاته المقدسة إلا بصريح ذاته وإشراق نور وجهه الكريم ، بعد فناء السالك عن ذاته واندكاك جبل إنيّته واضمحلاله في العين ، وإماطة أذي هويّته في طريق الحق من البين ؛ وحينئذ فلا اسم له ولا رسم ولا نعت ولا خبر عن الغيب المحض والمجهول المطلق ؛ فالسالك ما دام في حجاب وجوده وعينه فلا فائدة للألفاظ في حقّه ، ولا خبر عن الحق أصلا ، وإذا وصل إلى الشهود الحقيقي فلا أثر منه عند الغير كما قيل :
اين مدعيان در طلبش بيخبرانند * كانرا كه خبر شد خبري باز نيامد
ومن هاهنا يتبيّن ويتحقق أن وضع الألفاظ للمفهومات والصور الذهنية لا للأعيان الخارجية ؛ سواء كان الغرض تعرّف أحوال تلك الأعيان وأحكامها أم لا - كما في الأحكام الذهبية . ومما يؤكد أن وضع الألفاظ للصور الذهنيّة أنه قد ثبت في مقامه أن لا سبيل للعلم بأنحاء الوجودات الخارجية للمهيات إلا بالحضور العيني والمشاهدة الإشراقية أو الإحساس ، فعلى هذا كيف يتصوّر أن يفهم من مجرد إطلاق اللفظ الهويّة الخارجية ، إلا بسبب سبق علم شهودي أو إحساسي بتلك الهوية وإذا لم يكن الأمر العيني مما يتصوّر في حقه المشاهدة الاكتناهية أو الإحساس كذاته تعالى فلا فائدة لوضع الألفاظ لذاته المخصوصة بوجه أصلا . فإن قلت : لا شبهة في أن للعلوم والصور الذهنية دلالات على المعلومات والأعيان الخارجية - وإن لم يحضر الأمر الخارجي - فالعلم بها لا يتوقف