على أحد الطرفين ، محصورا عليه ، كان في وصفه مجبورا ، ولا شرف في الجبر ، واختيار البشر مردّد بين طرفي الخير والشر فمن جانب يرى آيات الرحمن ، ومن طرف يسمع وساوس الشيطان فتميل به تارة دعوة الحقّ إلى امتثال الأمر ، وتميل به طورا داعية الشهوة إلى اتّباع الهوى .
فإذا أقرّ طوعا وطبعا بوحدانيّة اللّه تعالى واختار من غير جبر وإكراه طاعته وصيّر اختياره المتردّد بين الطرفين مجبورا تحت أمر اللّه باختيار من جهته من غير إجبار ، صار هذا الاختيار أشرف وأفضل من الاختيار المجبور فطرة ، كالمكره فعله كسبا ، الممنوع عمّا لا يحبّ جبرا ، ومن لا شهوة له فلا يميل إلى المشتهى كيف يمدح عليه وإنّما المدح - كلّ المدح - لمن زيّن له المشتهى ونهى النفس عن الهوى .
فتبيّن انّ اختيار البشر أفضل من اختيار الروحانيّات .
والثاني نيابة عن الأنبياء ، وهو انّ اختيار الأنبياء مع ما انّه من جنس اختيار البشر من وجه فهو متوجّه إلى الخير ، مقصور على الصلاح الذي به نظام العالم وقوام الكلّ ، صادر عن الأمر ، صائر إليه لا يتطرّق إلى اختياراتهم ميل إلى الفساد ، بل درجتهم ما يبتدر إلى الأوهام ، فإنّ العالي لا يريد أمرا لأجل السافل من حيث هو سافل بل إنّما يختار ما يختار لنظام كلّى وأمر أعلى من الجزئي .
ثمّ يتضمن ذلك حصول نظام في الجزئي تبعا - لا مقصودا - وهذا الاختيار والإرادة على جهة سنّة اللّه تعالى في اختياره ومشيئته للكائنات لأنّ مشيئته كليّة متعلقة بنظام الكلّ ، غير معلّلة بعلّة ، واختيار الرسول المبعوث من جهته ينوب عن اختياره ، كما انّ أمره ينوب عن أمره فيسلك سبل ربه ذللا ، ثمّ يخرج من قبضة اختياره نظام حال وقوام أمر مختلف ألوانه ، فيه شفاء للناس .
ومن أين للروحانيّات هذه المنزلة ؟ وكيف يصلون إلى هذه الدرجة ؟ كيف وكلّ ما يذكرونه وموهوم ، وكلّ ما نذكره « 1 » فمحقّق بمشاهدة وعيان .
* * *
هامش
( 1 ) المصدر : وكل ما يذكره النبي .