وإذا فهم هذا فهم إنّ غلبة الخوف على الشهوة في بعض الذنوب ممكن وجوده ، والخوف إن كان من فعل ماض أورث الندم ، والندم يورث العزم .
وقد قال صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « الندم توبة »
ولم يشترط الندم عن كل ذنب .
وقال صلّى اللّه عليه وآله « 2 » : « التائب من الذنب كمن لا ذنب له »
ولم يقل : التائب من الذنوب كلّها .
وبهذه المعاني تبيّن [ إنّ التوبة عن ] أفراد الذنوب إذا كانت متماثلة في حق الشهوة وفي حقّ التعرض لسخط اللّه غير ممكن . نعم ، يجوز أن يتوب على الكثير دون القليل ، لأن لكثرة المعصية تأثيرا في كثرة العقوبة .
فصل
إنّ في هذه الآية حثّا على التوبة ، وتنبيها على أنّ العبد لا بدّ وأن يكون دائم الرجوع والإنابة إلى اللّه تعالى ، كما إنّه دائم المغفرة والرحمة ، وإنّه ما من درجة في الخير والسعادة تحصل للعبد إلّا وينبغي له أن يتوب عنها بتحصيل درجة فوقها لذاته ، فإنّ الإنسان جوهر متجدد الذات ، له في كل وقت حجاب من هويّته . وقد قيل : « وجودك ذنب لا يقاس به ذنب » فيجب له في كل وقت توبة عن ذنب وجوده ، واستغفار عن غشاوة هويّته .
قال بعض الحكماء : « إنّ لك منه غطاء 50 فضلا عن لباسك من البدن فاجهد أن ترفع الحجاب وتتجرّد ، فحينئذ تلحق فلا تسئل عما تباشره » .
وقال أيضا : « انفذ إلى الأحديّة تدهش إلى الأبد . وإذا سئلت عن فهي قريب ، وذلك لأنّ مراتب القرب إلى اللّه غير متناهية ، لعدم تناهي التجليّات الأسمائيّة الصفاتيّة ، والشئونات الإلهيّة ، ولكونه تعالى وراء ما لا يتناهي بما لا يتناهي شدّة وقوّة
هامش
( 1 ) الجامع الصغير : 2 / 189 .
( 2 ) الجامع الصغير : 1 / 134 .