إنّما يكون على فعل ما يوجب فوات محبوبه من حيث إنّه قبيح . فلا معنى للتندّم على بعض المعاصي دون بعض ، لاشتراكها في كونها حجابا بين العبد ومقصوده .
هذا ما ذكروه وهو بظاهره موجّه ، إلّا أنّ فيه تفصيلا ينكشف به الغطاء .
فنقول : إنّ الأشياء قد يشترك في معنى واحد يتحقّق ذلك المعنى فيها على وجه الكمال والنقص ، والقوّة والضعف ، فيكون في بعضها أعظم وأشدّ ، وفي بعضها أصغر وأضعف . ومن هذا القبيل المعاصي والذنوب ، فإنّ الجميع مشتركة في معنى واحد - هو القبح أو الظلمة أو الحجاب - لكن بعضها أكبر قبحا وظلمة وحجابا ، وبعضها أصغر .
فإذا تقرّر هذا فنقول : التوبة عن بعض الذنوب إمّا أن يكون عن الكبائر دون الصغائر ، أو عن الصغائر دون الكبائر ، أو عن كبيرة دون كبيرة .
أمّا الأوّل فممكن . لأنّا نعلم إنّ الكبائر أعظم عند اللّه وأجلب لسخط اللّه ومقته ، والصغائر أقرب إلى العفو عنها ، فلا يستحيل أن يتوب عن الأعظم ويتندّم عليه بحسب استعظامه وكونه مبعّدا عن اللّه . وهذا مما ثبت وجوده في الشرع ، فقد كثر التائبون في الأعصار ، ولم يكن واحد منهم معصوما . فلا تستدعي العصمة .
والطبيب قد يحذّر المريض العسل تحذيرا شديدا ، ويحذّره السكر تحذيرا أخفّ منه على وجه يشعر بأنّه ربما لا يظهر ضرر السكّر أصلا . فيتوب المريض بقوله من العسل دون السكّر . فهذا غير محال وجوده .
الثاني أن يتوب عن بعض الكبائر دون بعض ، وهذا أيضا ممكن لاعتقاد أنّ بعض الكبائر أشدّ وأغلظ عند اللّه ، كالذي يتوب عن القتل والنهب والظلم ومظالم الناس ، لعلمه بأنّ حقوق الناس لا يترك ، وما بين اللّه وبينه يسارع العفو إليه . وكذلك قد يتوب عن بعض الكبائر التي لا تتعلّق بالعباد دون [ بعض ] لكونها متفاوتة في أنفسها ، وفي اعتقاد مرتكبها .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 153
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٥٣