والبصر والكلام وغيرها ، وعند هؤلاء متّصفة بها أيضا على وجه يليق بذاته ، فكذلك حكم من ينوب عنه ويتوسّط بينه وبين الخلائق ؛ فالملائكة يعرفون الحقّ الأول بما يغلب عليهم من صفات التسبيح والتقديس ، فتسبيحهم في مقام العبوديّة « سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والروح » ؛ والأنبياء - صلوات اللّه عليهم - يعرفون الحقّ بما يظهر لهم من صفات التمجيد والتشبيه جميعا فذكرهم
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ 10 / 10 ] .
ومعرفة الحكماء بحسب مقام العقل للّه تشبه معرفة الملائكة المجرّدين ؛ ومعرفة أكابر الصوفيّة له تعالى في مقام التابعة والاقتباس من نور النبوّة تشبه معرفة الأنبياء الكاملين - سلام اللّه عليهم أجمعين - كلّ بحسب ما هو نصيبهم من شهود التجلّى الإلهي والفيض الوجودي .
قال الشيخ العربي : « إذا تجلّى الحقّ تعالى في صورة مثاليّة أو حسيّة ترده العقول المحجوبة بواسطة إنّها دائمة منزّهة للحقّ ببراهين عقليّة يواظب عليها ، إذ المواظبة والمثابرة على الشيء يوجب إنكار ما وراه ، والعقل وإن كان ينزّه الحقّ عن التشبيه فهو يشبهه في عين التنزيه بالمجرّدات وهو لا يشعر ، والحقّ تعالى منزّه عن التشبيه والتنزيه جميعا بحسب ذاته ، وهو موصوف بهما في مراتب أسمائه وصفاته » .
وقال أيضا : « واعلم إنّ الردّ والإنكار إنّما يقع في التجلّيات الإلهيّة ، لأنّ الحقّ تارة يتجلّى بالصفات السلبيّة فيقبله العقول لأنّها منزّهة مسبّحة عما فيه شائبة التشبيه والنقصان ، وينكره كلّ من هو غير مجرد كالوهم والنفس المنطبعة وقواها ، لأن من شأنهم إدراك الحقّ في مقام التشبيه والصور الحسيّة ، وتارة يتجلّى بالصفات الثبوتية فيقبله القلوب والنفوس المجرّدة لأنّها مشبّهة من حيث تعلّقها بالأجسام ، ومنزّهة باعتبار تجرّدها ، وينكره العقول المجرّدة لعدم إعطاء شأنها إيّاها ، بل ينكر تلك الصفات أيضا بالأصالة .
وفي هذا التجلّي قد يتجلّى بصور كماليّة كالسمع والبصر والإدراك وغيرها