وقد مرّ إن مقصودهم الاستخبار والاستعلام ، فإنّهم لمّا علموا إنّ المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره ودوام عمره : الشهوية والغضبية وهما يدعوانه ويؤديان به إلى الفساد وسفك الدماء - والعقليّة - وهي تدعوه إلى المعرفة والطاعة ونظروا إلى أحوال هذه القوى مفردة مفصّلة - لا على النظم الوحداني - قالوا : « ما الحكمة في استخلاف من يصحب تينك القوّتين ، وهما ممّا لا يقتضي الحكمة إيجاد من يصحبهما ، فكيف استخلافه ؟ وأمّا باعتبار القوّة العقليّة فنحن نقيم ما يتوقّع منها سليما عن معارضة تلك المفاسد » وغفلوا عن فضيلة كلّ واحدة من القوّتين إذا صارت مهذّبة مطواعة للعقل ، متمرّنة على الخير كالعفّة والشجاعة ، ومجاهدة الهوى ورعاية الانصاف ، ولم يعلموا إنّ التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد كالإحاطة بالجزئيّات ، واستنباط الصناعات ، واستخراج منافع الكائنات من القوّة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف ، وإليه أشار تعالى أجمالا بقوله :
قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
.
أقول : منشأ خلافة الإنسان إمّا من جهة القرب والشرف أو من جهة الكمال والمناسبة ، وإن كان مرجع هذين إلى أمر واحد فإنّ الأقرب إلى اللّه وجودا يكون أكثر كمالا وأشدّ مناسبة له من غيره ، إلّا إنّ المشهور إنّهما متغايران حيثيّة واعتبارا .
فنقول : إن كان منشأها القرب فالوجه في تقرير الإشكال وتقرير الجواب كما سبق ، وذلك يناسب آراء الحكماء وأصولهم . وإن كان منشأها المناسبة والطاعة وعدم المعصية ، فالوجه كما ذكره هذا القائل إشكالا وجوابا وهذا يناسب أطوار الصوفيّة وأغراضهم ، فإنّ مناط الخلافة الإلهيّة عند هؤلاء باستجماع الكمالات والاتّصاف بجميع أصناف صفات الملائكة والجانّ والحيوان ، وعند الحكماء بالبراءة عن الشرور والنقائص من جهة العلم والعرفان .
وهذا لأنّ الحقيقة الواجبيّة عند الحكماء منزّهة عن صفات التشبيه كالسمع