تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
نشأتها على غاية كمالها النوعي الذي لا أتمّ منه بحسب النوع ، فكلّ واحد من أشخاص كلّ من القبيلين لا يمكنه لتماميّة ذاته وتماميّة صورته وفعليّة جوهره وعدم ورود ضدّ عليه أصلا المزايلة عن نشأته وحاله إلى نشأة ثانية له ، إذ ليس حصول كلّ واحد منها بحسب الجهات الانفعاليّة القابليّة ، بل الكلّ منها فائضة عن الحقّ بواسطة جهات وجوبيّة فاعليّة ، ولهذا انحصر نوع كلّ منها في شخصه لكون التشخّص فيه لازما للنوع ، وإنّما الحاجة في أحد القسمين - أي الأفلاك - إلى المادّة لأجل بعض أعراضها الخارجة عن التجوهر البعيد عن ذات الشخص 120 ، كالنسب الوضعيّة 121 ، وهي أسهل عرض وأيسر غرض ، فمن كان وجوده على هذا النمط من الإحكام والوثاقة أو أرفع منه 122 فلا يمكنه الفناء والموت عن نشأته إلى نشأة إلّا عند القيامة الكبرى ونفخ الصور المستوعب 123 لفناء الكلّ 124 وذوبان الجميع عند ظهور سلطان الأحديّة التامّة وكبرياء قهر الواحد القهار . وأمّا الإنسان المخلوق للبلوغ إلى النهاية فهو لا يزال في الضعف والانكسار والعجز والافتقار مع حفظ اللّه ايّاه عن البطلان ، وتبليغه ايّاه من دار إلى دار ، فما دام الشيء في مقام الحاجة والعجز يرد عليه الواردات الإلهيّة والخلع النورانيّة ، وما دام في مقام الإنانيّة والافتخار يمنعه عن المزيد ويقيمه على العتيد ، أو يفسد عليه حاله إلى أدون ما كان عليه . فبهذا العجز والضعف استعدّ هو من بين الأجسام الصلبة كالأرض والجبال - والجواهر القويّة - كالسبع الشداد - لتحمّل الأمانة المشار إليها في قوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[ 33 / 72 ] . وتلك الأمانة هي النور الإلهي المشار إليه في قوله صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « إنّ اللّه خلق
هامش
( 1 ) جاء ما يقرب منه في الترمذي - كتاب الايمان : باب 18 - والمسند : 2 / 176 و 197 .