فصل في وجه شبه الطاعنين في القرآن
واعلم إن أشراف العرب وكبرائهم مع كمال حذاقتهم في أسرار بلاغة الكلام وفرط عداوتهم للإسلام لم يجدوا فيه للطعن مجالا ، ولم يوردوا في القدح مقالا ونسبوه إلى السحر - على ما هو دأب المحجوج المبهوت - تعجبّا من فصاحته وحسن نظمه وبلاغته ، واعترفوا بأنّه ليس من جنس خطب الخطباء وأشعار الشعراء ، وأنّ له حلاوة وعليه طلاوة ، وأن أسافله مغدقة وأعاليه مثمرة « 1 » ، فآثروا المنازعة والمقاتلة على المقاولة ، وأبى اللّه إلّا أن يتمّ نوره على كره من المشركين ورغم أنوف المعاندين ، وحين انتهى الأمر إلى من بعدهم من أعداء الدين وفرق الملحدين ، اخترعوا مطاعن ليست إلا هزءة للساخرين ، وضحكة للناظرين .
منها إنّ فيه كلمات غير عربيّة - كالاستبرق والسجيّل ، والقسطاس ، والمقاليد - فكيف يصحّ إنه
عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
؟ وردّ بأنّ ذلك من توافق اللغتين ، والمراد إنه عربيّ النظم والتركيب ، أو الكلّ عربيّ - على سبيل التغليب .
ومنها إن فيه خطأ من جهة الإعراب ، مثل
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
[ 20 / 63 ] و
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ
[ 5 / 69 ] و
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ
[ 4 / 162 ] وردّ بأنّ كلّ ذلك صواب على ما بيّن في علم الإعراب .
ومنها إنّ فيه ما يكذبه ، حيث أخبر بأنه لا يتيسّر للبشر - بل للإنس والجنّ - بمثل سورة منه - وأقلّ السورة ثلاث آيات - ثمّ حكى عن موسى عليه السّلام - مع اعترافه بأنّ هارون أفصح منه - مقدار إحدى عشرة آية منه ؛ وهو قوله :
هامش
( 1 ) قاله وليد بن المغيرة . راجع الدر المنثور في تفسير قوله تعالى :إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ: 6 / 283 .