تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
وأما أصحاب الأشخاص « 1 » فقالوا : إذا كان لا بدّ من متوسّط يتوسل به ، وشفيع يتشفع إليه ، والروحانيّات وإن كانت هي الوسائل لكنّا إذا لم نرها بالأبصار ولم نخاطبها بالألسن لم يتحقّق التقرّب إليها إلّا بهياكلها ؛ ولكن الهياكل قد ترى في وقت ولا ترى في وقت - لطلوعها وأفولها ، وظهورها بالليل وخفائها بالنهار - فلا بدّ لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا نعكف عليها ونتوسّل بها إلى الهياكل ، فنتقرّب بها إلى الروحانيّات ، وبها إلى الباري ، فنعبدهم ليقرّبونا إلى اللّه زلفى . فاتّخذوا أصناما وأشخاصا على مثال الهياكل السبعة كل شخص في مقابلة هيكل - وصنعوها من الأجساد السبعة المتطرّقة من الحديد والنحاس وغيرهما ، فراعوا في ذلك : الزمان ، والوقت ، واليوم ، والساعة ، والدرجة ، والدقيقة ، وجميع الأوصاف النجوميّة ؛ فتقرّبوا إليه في يومه وساعته وتبخّروا ببخوره ، وتختّموا بخاتمه ، ولبسوا لباسه ، وتضرّعوا بدعائه ، وعزّموا بعزائمه ، وسألوا حاجاتهم منه . فيقولون كان تقضي حوائجهم بعد رعاية هذه الإضافات ، وذلك هو الذي أشار إليه قوله :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
فأصحاب الهياكل هم عبدة الكواكب إذ قالوا بإلهيّتها - كما مرّ - وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان إذ سمّوها آلهة في مقابل الآلهة السماويّة وقالوا :
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ 10 / 18 ] . وقد ناظر الخليل - على نبيّنا وآله وعليه السّلام - هؤلاء الفريقين ، فابتدأ بكسر مذاهب الأشخاص وذلك قوله تعالى :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ
[ 6 / 83 ] وتلك الحجّة أن كسرهم قولا لقوله
أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
[ 37 / 95 - 96 ] . ولمّا كان أبوه آذر هو أعلم القوم بعمل الأشخاص والأصنام ورعاية الإضافات
هامش
( 1 ) الملل والنحل : الباب الثاني من القسم الثاني 2 / 53 .