بوجه في قوله
آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ
.
وأما المدرك الثاني لمعرفة الآخرة : فالوحي للأنبياء والإلهام للأولياء ولا تظنّ أيّها الحبيب هداك اللّه انّ معرفة النبي صلّى اللّه عليه وآله لأمر الآخرة ولأمر الدين ولسائر المعارف الإلهية ، كانت تقليدا لجبرئيل بالسماع منه والرواية ، كما انّ معرفتك تقليد للنبي حتى يكون معرفتك كمعرفته ، وانّما يختلف المقلّد فقط . هيهات فإنّ التقليد ليس معرفة بل هو اعتقاد صحيح ، والأنبياء عارفون . ومعنى معرفتهم إنّهم كشف لهم حقيقة الأشياء كما هي عليها فشاهدوها بالبصيرة الباطنة كما تشاهد أنت المحسوسات بالبصر الظاهر فيخبرون عن مشاهدة ، لا عن سماع وتقليد .
وأمّا الذين غرّهم باللّه الغرور ، فمنشأ اغترارهم باللّه ما قال بعضهم في أنفسهم أو بألسنتهم : إنّه إن كان للّه تعالى معاد ولنا عود إليه ، فنحن أحق به وبالسعادة عنده من غيرنا لأنّا أعظم منزلة وأوفر حظّا وأسعد حالا ، كما أخبر اللّه تعالى من قول الرجلين المتحاورين في القرآن بقوله :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
[ 18 / 36 ] وقال تعالى ردّا على أمثاله
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً
[ 19 / 78 ] كلّا فهذا من الغرور باللّه .
ويشبه القياس من أقيسة إبليس وذلك بأنّهم ينظرون مرّة إلى نعم اللّه تعالى عليهم في الدنيا ويقيسون نعم الآخرة عليه ، وينظرون مرّة إلى تأخير اللّه العذاب عنهم فيقيسون عذاب الآخرة عليه ، ومرّة ينظرون إلى الفقراء المؤمنين وهم شعث غبر وكان منهم في زمان النبي صلّى اللّه عليه وآله موالي كصهيب وبلال وخبّاب ، فيزدرونهم ويستحقرونهم ، ويسفّهونهم ، وكان بعض المنافقين يقول لبعض : أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان وسفيه بنى فلان ؟ ! وكانوا يقولون :
أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
[ 6 / 53 ] ويقولون :
لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
[ 46 / 11 ] وهذا كلّه أيضا لحمقهم وسفه عقولهم وجهلهم