تعالى من قوله :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ 28 / 60 ]
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ 87 / 17 ]
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
[ 3 / 185 ] ونحو ذلك .
وأما المعرفة بالبرهان ، فهو أن يعرف وجه فساد قياسهم الذي يظنّه الشيطان وفيه أصلان : الأول صحيح والآخر وهو قوله : النقد خير من النسية ، محل التلبيس ، إذ لو كان النقد مثل النسية في القدر والشرف والمنزلة فهو خير وإلّا فلا . وعند هذا يفزع الشيطان إلى القياس الآخر وهو أكثر فسادا من الأول . لأن كلا أصليه باطل ، إذ اليقين خير من الشكّ إذا كان مثله في المقصود وإلّا فلا ، فإنّ التاجر في تعبه ومشقّته على يقين ، وفي ربحه على شكّ ، والمتفقّه في اجتهاده وتعبه على يقين ، وفي إدراكه رتبة العلم على شكّ ، وكذا سائر النظائر في هذا الباب .
فكذلك من شكّ في الآخرة ، ينبغي له بحكم الجزم أن يقول « الصبر أياما قلائل قريب بالإضافة إلى ما يقال من أمر الآخرة ، فما قيل فيه إن كان كذبا فلا يفوتني إلّا التنعّم اليسير في أيّام حياتي ، وإن كان صدقا فابقي في النار أبد الآباد وهذا لا يطابق » ولذلك
قال أمير المؤمنين عليه السلام لبعض الملحدين : « إن كان ما قلته حقّا فقد تخلّصت وتخلّصنا وإن كان ما قلنا حقّا ، فقد تخلّصنا وهلكت » .
وما
قال عليه السلام هذا عن شكّ منه في أمر الآخرة ، ولكن كلّم الملحد على قدر عقله ، فبيّن إنّه مغرور سفيه .
وأمّا الأصل الثاني وهو إنّ الآخرة شكّ فهو أيضا خطأ ، بل ذلك يقين عند العارفين والمؤمنين وليقينه مدركان :
أحدهما الايمان والتصديق تقليدا للأنبياء والأولياء وذلك أيضا يزيل السفه والغرور وأكثر أهل الدين اطمأنّوا به كما يطمئنّ نفس المريض إلى تصديق قول الأطبّاء الحذّاق في الدواء ، ولو اعتمد أحد قوله وترك قول الأطبّاء ، كان سفيها معتوها ، وهذا القدر من الايمان كاف لجملة الناس ، لأنّه اعتقاد جازم يستحثّ على العمل ، وإليه الإشارة