وتحقيق ذلك يبتنى على معرفة النفس الإنسانيّة وهي إنّ للنفس الإنسانيّة نشآت ومقامات متعدّدة كالحسيّة والخياليّة والعقليّة ولها مراحل ومنازل متفاوتة كالدنيا والبرزخ والآخرة ، وأكثر الناس ما داموا في الدنيا فمقام نفوسهم بالفعل عالم الحسّ ولها بالقوّة نشأة الروح والعقل ، وذلك إذا لم يبطل استعدادها لحصول النشأة الباقية . وأما إذا بطل ذلك بمسخ باطنهم وطمسه بالكلّية فليست نفوسهم هي أرواحا ولا عقولا لا بالفعل ولا بالقوّة ولا لها نشأة إلّا نشأة الحسّ فقط كنفوس سائر الحيوانات .
وبعض الناس ممّن خرجت نفسه من القوّة إلى الفعل في نشآته الثلاث كالكمّل من العلماء الإلهيّين والأولياء ، فلهم من الأحديّة الحقّة ما حازوا به الأكوان الثلاثة ولا يشغلهم شأن عن شأن ولا يمنعهم موطن عن موطن .
فإذا تقرّر هذا فنقول : النفس بحسب كلّ مقام ونشأة هي غيرها بحسب مقام آخر ونشأة أخرى وبواسطة مزاولة أفعال تناسب النشأة الدنيويّة وتكريرها تقوّى الجنبة السافلة منها وتضعف الجنبة العالية وبالعكس عند مزاولة أفعال تناسب النشأة الآخرة وتكريرها .
وعند الرسوخ في الأفعال الشهويّة والغضبيّة والأعمال البهيميّة والسبعيّة ، يبطل النشأة العقليّة والحياة الملكيّة بالكليّة بحيث لا يرجى إمكان عودها وذلك هو الخسران المبين ، لأنّ النفس خسرت ذاتها الباقية ونشأتها العقليّة وعوّضت عنها بهذه النشأة الفانية والحياة الحسّية كما قال :
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ 6 / 12 ] بتضييع رأس مالهم وهو الفطرة السليمة والعقل السليم .
ومن هذا القبيل وقوع المخادعة بين النفس وذاتها لكونها ذات وجهين : وجه إلى الحسّ والشهوة والدنيا والشيطان ، ووجه إلى العقل والعدالة والعقبى والملك ، ولكلّ من الوجهين أسباب ومهيّجات ودواعي وأغراض وأشخاص من جنود الشيطان وجنود الملك والمنازعة [ بين القبيلين ] والمطاردة قائمة في عرصة باطن الإنسان وميدان