إنّك معروف في كلّ صورة إنّك أنت لا غيرك كما انّك تعلم انّ زيدا في تنوّعه في كيفياته من خجل ووجل ومرض وعافية ورضى وغضب وكل ما يتقلب فيه من الأحوال انه زيد لا غير وكذلك الامر في كل أحد .
فصل [ في تحقيق الصراط واستقامته ]
اعلم إن الصراط لا يكون صراطا إلا بمرور المارّة عليه . وقد مرّت الإشارة إلى أنّ الخلائق كلّها متوجّهة شطر الحقّ توجّها غريزيّا وحركة جبليّة نحو مسبّب الأسباب وفي هذه الحركة الجبليّة لا يتصوّر في حقّهم الضلال والانحراف عمّا عيّن اللّه لكلّ منهم واللّه آخذ بناصيته كما قال اللّه
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ 11 / 56 ] .
وما من موجود في عالم الخلق إلّا وهو حيوان ماش فيكون دابّة . وكل دابّة فالربّ آخذ بناصيتها وعليه رزقها ويعلم مستقرّها ومستودعها كما قال تعالى :
ما مِنْ دَابَّةٍ ( فِي الْأَرْضِ ) إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ
فتكون مفطورة على المشي على نهج الاستقامة من غير ضلال وأمّا المسمّى إنسانا فلوجود الاختيار المخالف للطبع فيه ومزاحمة قوّة الوهم الذي يعتريه يتصور في حقّه الضلال والغواية والنكال والغباوة من جهة حركاته الاختياريّة المورثة له قربا أو بعدا من اللّه المثمرة له سعادة أو شقاوة في الدار الآخرة فيحتاج إلى من يهديه ويذكّر له العهد القديم ويثبّته على الصراط المستقيم .
فالهادي هو اللّه بالحقيقة بواسطة الكتاب والرسول صلّى اللّه عليه وآله ومن يقوم مقامه من الأئمة الهداة عليهم السلام فيختصّ الإنسان من بين سائر المخلوقات بأن هداه اللّه بالهدايتين الكونيّة والوضعيّة من جهة حركتيه الاضطراريّة والاختياريّة وجمع لأجله بين الدعوتين