التفصيل عن شهوده واضمحلّت الكثرة في وجوده ما زاغ بصره عن مشاهدة جماله وسبحات نور جلاله لاستغراقه في بحر التوحيد فلا ينظر إلى ما سواه ولا يستعين إلّا إيّاه فيقول عند ذلك : إيّاك نستعين . أي في مشاهدة آلائك بمشاهدة ذاتك وصفاتك فحينئذ يرجع من الحقّ بالحقّ 83 84 إلى الخلق وهذا هو السفر الثالث من الأسفار الأربعة الواقعة من الكاملين المكملين .
فإذا رجع بالوجود الحقّاني الموهوب إلى حالة الصحو بعد المحو وانشرح صدره ووسع الحقّ والخلق صار منتصبا في مقام الاستقامة كما أمر اللّه به الرسول - صلّى اللّه عليه وآله في قوله :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[ 81 / 112 ] متوسّطا في صراط الحقّ بين التشبيه والتعطيل ، ناظرا بعين الجمع إلى التفصيل وإليه الإشارة بقوله : اهدنا الصراط المستقيم .
وذلك هو الفوز العظيم والمنّ الجسيم فقوله : ايّاك نعبد إشارة إلى مقام السلوك إلى اللّه والتقرّب إليه بالعبوديّة التامّة له وهي مرتبة الولاية المشار إليها في قوله : « 1 » لا يزال يتقرّب العبد إليّ بالنوافل حتّى أحببته . وقوله : وايّاك نستعين . إشارة إلى مقام الصحو بعد المحو وهي مرتبة النبوة ، المشار إليها في قوله تعالى : فإذا أحببته كنت سمعه وبصره 85 ويده ورجله - الحديث .
بصيرة [ سر تقديم العبادة على الاستعانة ]
قيل : قدّمت 86 العبادة على الاستعانة ليتوافق رؤس الآي . وقيل : إنّ العبادة وسيلة لطلب الحاجة وتقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة وأسرع للقبول .
هامش
( 1 ) راجع التوحيد للصدوق ( ره ) : 400 . والبخاري : 8 / 131 .