إذ ملاحظة النسبة بما هي نسبة عين ملاحظة المنسوب إليه . فهو بالحقيقة مستغرق في ملاحظة جناب القدس وغائب عن ما سواه حتى أنه لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوال نفسه إلا من حيث إنها ملاحظة له ومفتقرة إليه ولهذا رجّح 75 قول حبيب اللّه :
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
[ 9 / 40 ] على قول كليمه :
إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
[ 26 / 62 ] .
وبالجملة أشرف منازل السالكين مقام الفقر ومنزل العبودية والسبب العقلي فيه ان جميع الموجودات قابلة للرحمة الإلهية ، والكمال الوجودي بحسب فطرتها الإمكانية وإنما المانع منها عن قبول الفيض الأتمّ والجود الأشمل هو تقيّده بقيد خاص وتصوره بصورة وجوديّة مخصوصة تضاد قيدا آخر وصورة وجودية أخرى فبقدر تخلّصه عن قيده الجزئي وانخلاعه عن صورته المخصوصة يستحقّ لكمال أتمّ وأعمّ وصورة وجوديّة أشمل وأكمل فإذا تجرّد عن كل ما سوى اللّه وغاب عن كل اسم ورسم وحلية وصفة وحول وقوة كان اللّه له 76 بدلا عن جميع ذلك . فصار الحقّ حوله وقوّته وسمعه وبصره ويده ورجله وجميع قواه وجوارحه - كما ورد في الحديث القدسي « 1 » من غير تغير وتكثّر 77 في ذاته وصفاته . تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
ولهذا أمثلة كثيرة :
منها : إن الهيولى الأولى للأجسام لمّا كانت في ذاتها عارية عن كلّ صورة حسيّة وصفة جسمانيّة قبلتها كلّها بخلاف الموادّ الثانوية لها فإنّها من حيث استعدادها الخاصّ لا تقبل إلّا صورة واحدة . فكذلك النفس الإنسانيّة 78 التي هي هيولى العقليّات من شأنها أن تقبل سائر الصور العقلية والكمالات الملكوتية والأخلاق الحسنة كلّها إلّا انّ تقيّدها ببعض الصفات واحتجابها بحجب بعض الملكات يمنعها عن الاتّصال بما فوقها .
ومنها : إنّ العناصر إذا امتزجت وتفاعلت وانفعل كلّ منها عن صاحبه انكسرت كيفيّاتها وكادت تخلع عنها صورها المتضادّة الجزئية فعند انكسارها وشدّة افتقارها
هامش
( 1 ) الحديث المعروف : لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحببته . . .