القول لا يصدر على وجه الصدق إلّا عن أولئك الكاملين العارفين بهذا التوحيد الأفعالي فهو لهم خاصّة دون غيرهم ، فكم بين الحالين من التبرّي والدعوى فالمدعي مطالب بالبرهان على دعواه ، والمتبري غير مطالب بذلك . ولا تقل : إنّ التبري أيضا دعوى ، فإنّ التبري لا يبقي شيئا 73 وعلى ذلك ينطلق اسم المتبري - انتهى كلامه .
وبالجملة فالمراد من قوله : إيّاك نستعين ، طلب الهداية لأقرب المناهج وأقوم الطرق إلى اللّه وفيه كما وقع الإفصاح عنه بعد هذه الآية بما يتلوها .
بصيرة أخرى [ الإشارة إلى السفر الثالث من الأسفار الأربعة ]
الضميران المستكنّان في هذين الفعلين إما للنبي صلّى اللّه عليه وآله وأمته أو للإمام وحاضري صلاة الجماعة معه أو للقاري ومن معه من الحفظة أوله ولسائر الموحدين .
أدرج عبادته في تضاعيف عباداتهم وخلط حاجته بحاجاتهم لعلها تقبل ببركاتها وتجاب إليها ، كادراج البائع غير الرائج في جملة الرائج في بيع الصفقة ، ومن هاهنا يعلم سرّ شرعية الجماعات .
ولتقديم ضمير المعبود والمستعان به وجوه أخرى غير ما ذكر ، كالتعظيم وتقديم ما هو مقدم في الوجود ، وللإشارة إلى أن نظر العابد والتفاته ينبغي أن يكون مقصورا على ذات المعبود أولا وبالذات ثم إلى العبادة لأنها وسيلة ووصلة بينه وبين الحق ، فمن كان غرضه من المعرفة والعبادة نفسه أو نفس شيء منهما فهو ليس من الموحدين ولا من العابدين لأنه يعبد غير اللّه وهذه حال المتبجح بزينة ذاته وإن كان بمعرفة الحق ، وأما من عبد اللّه وغاب عن ذاته وعن عبادته فهو مستغرق 74 في العبودية للّه بما هي عبودية له وانتساب إليه نسبة الفقر والحاجة التي هي من أشرف النسب . فإن قصارى مجهود العابدين تصحيح هذه النسبة ومن كان هذه حالته في العبادة فهو من الواصلين لا محالة .