العدول من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى التكلم وبالعكس وهذا أحسن من الجري على نسق واحد واللزوم لمسلك متكرر ومع ذلك قد تختصّ مواقع الالتفات بزوائد فوائد من النكات ، لا تحصل بدونه وهاهنا من هذا القبيل إذ قد تقرّر في العلوم الإلهيّة ان شدّة الإدراك وتاكّد الصورة العلمية في الوضوح والإنارة ، وقوّة الشوق إلى المدرك ورسوخه يوجبان حضور المعلوم ، ولهذا قيل : المعرفة بذر المشاهدة والرؤية ثمرة اليقين .
فلما ذكر اللّه تعالى وأجريت عليه صفات كمالية ونعوت إلهية من كونه حقيقا بالحمد ربّ العالمين موجدا للكلّ منعما عليهم بالنعم كلّها ، جليلها ودقيقها ، دنيويّها واخرويّها ، محسوسها ومعقولها ، مالكا لأمورهم يوم الجزاء واللقاء ، تميّز بها ذاته عن سائر الذوات وتنوّر القلب بأنوار معرفة هذه الصفات وفتحت البصيرة بكشف هذه الآيات وتعلّق العلم بمعلوم معيّن حاضر حضورا إشراقيا فخوطب بالكلام : يا من هو بالحمد حقيق وبهذه الصفات الكمالية يليق نخصّك بالعبادة والاستعانة ليكون الخطاب أدلّ على هذا الاختصاص ولاستجلاب مزيد قرب بعد قرب في هذا التذلّل والانكسار وطلب معونة من قربه على قربه لأنّ ذاته غير متناه في شدة الوجود وقوّة البهاء والعظمة لا يمكن الاكتناه بنور وجوده ، فكلّما كوشف للسالك كان المستور منه بستر الجلال وسرادق الكبرياء أعظم بما لا نسبة بينهما ، إذا المنال والمشهود هناك بقدر قوّة نظر الطالب ونور بصيرته ، لا بحسب المطلوب نفسه . وكلما ازداد في القرب ازداد في الاشتياق ويكون أحوج إلى طلب المعونة لزيادة المشاهدة وكسب الإشراق ، فكان أول الكلام مبنيّا على ما هو بداية أمر السالك من الأذكار والأفكار والتأمّل في الأسماء والنظر في الآلاء والنعماء طلبا للاستبصار وتقرّبا إلى مشاهدة نور الأنوار واستدلالا من صنائعه على أسمائه وصفاته ومن أسمائه وصفاته على أنوار جماله وأسرار جلاله ثمّ صار مؤدّيا إلى منتهى سيره وغاية سفره إلى الحقّ وهو كونه ممّن يخوض لجّة الوصول ويصير من أهل
تفسير القرآن الكريم — صفحة 89
مساهمون: محمد خواجوى
ص٨٩