تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥

أوهام وتنبيهات

ثمّ إن للقائلين باعتباريّة الوجود ومجعوليّة المهيّات شبها قويّة فككنا عقدتها بحمد اللّه وطردنا ظلمات هذه الأوهام بنور الهداية والإلهام فلنشر إلى أجوبة بعض منها وهي هذه . الأوّل : إن الوجود لو كان موجود لكان له وجود ولوجوده وجود وهكذا إلى غير نهاية . والجواب : إنّ المهيّة لما لم تكن في نفسها موجودة فموجوديّتها لا بد وأن تكون بأمر زائد عليها وأما الوجود فهو بنفسه موجود لا بأمر زائد عليها إلا بحسب الاعتبار العقلي رعاية لمفهوم الاشتقاق والتسلسل في الاعتباريات منقطع بانقطاع الاعتبار منها ولهذا المعنى نظائر كثيرة كالإضافة فإنّها بنفسها مضافة وغيرها بها مضاف وكالنور فإنّه منير بذاته وكاجزاء الزمان فإنّها بذواتها متقدّمة ومتأخّرة . والثاني : إن الوجود لو كان موجودا بذاته لكان واجب الوجود بذاته إذ لا معنى للواجب بالذات إلّا ما يكون وجوده ضروريّا لذاته وأيّ ضرورة أشدّ من كون الشيء عين نفسه ؟ والجواب : إنّ الوجود الإمكاني بحسب هويّته متقوّم بغيره واجب به وإذا قطع النظر عن موجده يكون باطلا محضا ومعنى كونه ضروريّ الوجود انّه بعد ما صدر ذاته عن العلّة لا يفتقر إلى وجود زائد عليه في كونه موجودا بخلاف المهيّة فإنّها في حدّ ذاتها غير موجودة ولو في وقت صدورها عن الفاعل ، ومعنى الإمكان في الوجودات انّها بأنفسها متعلّقة الذوات بغيرها وليست المهيّات متعلقّة الذوات بغيرها فإمكانها عبارة عن تساوي نسبتها إلى الوجود والعدم وبالجملة هذه الشبهة إنّما نشأت من الخلط بين معنى الضرورة الأزليّة والضرورة الذاتيّة .