وغرقت في تيّارهما عقول أصحاب الفكر وأرباب البحث والنظر ولا نجاة لأحد من الباحثين والمتكلمين من تيّارهما إلا من عصمه اللّه وآمنه من الهلاك وعلّمه طريق السباحة والمشي في الماء ولو ازداد يقينا لمشى في الهواء وذلك بأن أيّده بروحه وهداه إلى معرفة توحيد الأفعال ، ثمّ إلى الصفات ، ثمّ إلى الذات . فيقول عند ذلك كما
قال نبيّه في دعاءه واستعاذته : « 1 » « اللهم إني أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » .
نكتة
ومن اللطائف المستنبطة في هذا المقام إن اللّه جلّ اسمه لما أنبأنا إنّه خلق السماوات سبع طباق علمنا بمقائيس الأذواق إن الوجود الإنساني الذي هو عالم صغير متدرج في سبع مراتب متفاوتة في اللطافة والكثافة متعلقة بتلك الأفلاك السبعة مع ما فيها من الأنوار المتحركة بأعصاب وعروق معنوية وأوتار ورباطات غيبية متى قبضت انقبضت ومتى بسطت انبسطت يتنزل الأمر بينهن كما يتنزل هنالك .
ثمّ إنه قد ورد في الأخبار المستفيضة إن إبليس لعنه اللّه كان له فيما مضى الولوج في طباق السماوات كلها . فلما ولد المسيح روح اللّه على نبينا وعليه السلام والصلوات حجب عن أربع سماوات وبقي له ثلاث طبقات يلج فيها ويقعد منها مقاعد للسمع .
ونظائر هذه الثلاث في العالم الإنسانى المراتب التي دون الروح .
أعني القلب وبعده النفس وبعده الطبيعة . وأما ما حجب عنها ، فالروح وفوقه السّر وفوقه الخفيّ وفوقه الأخفى .
فلما ولد محمّد صلى اللّه عليه وآله وسلّم وهو الحقيقة التمامية حجب إبليس وجنوده من السماوات كلها فلم يبق له ولوج وعروج في شيء منها وقد بقي له الأرض الجسمانية يسبح فيها مفتحة له مجاريها فيجري من الإنسان مجرى الدم
هامش
( 1 ) مضى آنفا .