فإن قيل : لم أمره بالتسبيح والحمد والاستغفار عند رؤية النصر والفتح ، وعند اقتراب أجله ؟
فالجواب إنه أمره بالتسبيح والحمد ليكون شكره على النصر والفتح وظهور الإسلام ؛ وفيه إشارة إلى أنّ المرء لا يختم صحيفته إلا بخير الأعمال ، ويهيّئ زادا للقاء ربه ، ولا يغفل كما غفل في أول أجله . والاستغفار والتسبيح من أفضل الأعمال ؛ لما فيهما من تنزيه الخالق ، وانكسار القلب مع الاستغفار ؛ وهو تعالى عند المنكسرة قلوبهم .
( « 1 » فراش ) : قد قدمنا أنه طير دقيق يتساقط في النار ويقصدها ، ولا يزال يقتحم على المصباح ونحوه حتى يحترق . ومنه الحديث : أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب .
فإن قلت : قد شبههم في سورة القمر « 2 » بالجراد المنتشر ، وهنا بالفراش ؛ فهل بينهما توافق أم لا ؟
فالجواب أنّ بينهما موافقة على قول بعضهم ؛ قال الفراء : الفراش غوغاء الجراد ، وهو صغيره الذي ينتشر في الأرض والهواء . قال بعض العلماء :
الناس أول قيامهم من القبور كالفراش المبثوث ؛ لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام ، ثم يدعوهم الداعي فيتوجّهون إلى ناحية المحشر كالجراد المنتشر ؛ لأن الجراد إنما توجّهه أبدا إلى ناحية مقصودة ، وبهذا يظهر لك الجمع بين الآيتين . وروى البيهقي في الشعب عن النّوّاس بن سمعان أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : ما لي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار ، كلّ
هامش
( 1 ) القارعة : 4 ، والآية : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث .
( 2 ) القمر : 7 ، والآية : يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر .