وكذلك ندم قابيل ؛ ندم على كونه عجز عن إخفاء أخيه لا على قتله ؛ فلذلك لم ينفعهما الندم ، بخلاف قوم يونس فندمهم كان حقيقة ، وآمنوا فنفعهم إيمانهم ؛ وهذه الأمة المحمدية ينفعهم الندم للحديث : الندم توبة . وفي الحديث : إن الحفظة تصعد بعمل العبد يقابلونه باللوح المحفوظ ، فلا يجدون ما كتبوا فيختلجوا ، وإذا النداء من قبل اللّه : وصلت ندامة قلبه قبل وصولكم إلىّ .
( فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ )
« 1 » : لما قتل قابيل أخاه ، وأراق دمه ، فاجتمع النّسور عليه ، فتحيّر قابيل في دفنه ، فأخذ يدور في الأرض ، فكلّ قطرة وقعت من دم هابيل عليها صارت سبخة ، فبعث اللّه غرابين يقتتلان ؛ فقتل أحدهما الآخر ، ثم بحث الأرض بمنقاره ودفنه ، فاقتدى به قابيل ؛ فذلك قوله تعالى « 2 » :
« أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً
« 3 »
. أَحْياءً وَأَمْواتاً »
؛ والحكمة في بعث الغراب لاسوداده ، ولما كان القتل مستغربا إذ لم يكن معهودا قبل ذلك ناسب بعث الغراب إليه ؛ ولهذا اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب .
وروى أنس أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : " امتنّ اللّه على ابن آدم بالريح بعد الروح " ؛ ولولا ذلك ما دفن حبيب حبيبا ، وقابيل أول من يساق إلى النار ، وهو المراد بقوله « 4 » :
« رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ »
؛ وهما قابيل وإبليس .
وروى أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل عن يوم الثلاثاء ، فقال :
يوم الدم ، فيه حاضت حواء ، وفيه قتل ابن آدم أخا . قال مقاتل : كانت
هامش
( 1 ) المائدة : 31
( 2 ) المرسلات : 25
( 3 ) الكفات : الموضع يكفت فيه الشيء ، أي يضم ويجمع ، والأرض كفات لنا .
( 4 ) فصلت : 9 .