وأما الذهب فليس مما ينسج منه ثوب . ثم إن الثوب الذي من غير الحرير لا يعتبر فيه الوزن والثقل ، وربما يكون الصفيق الخفيف أرفع من الثقيل الوزن .
وأما الحرير فكلما كان ثوبه أثقل كان أرفع ؛ فحينئذ وجب على الفصيح أن يذكر الأثقل الأثمن ، ولا يتركه في الوعد لئلا يقصر في الحثّ والدعاء .
ثم إن هذا الواجب الذكر إما أن يذكر بلفظ واحد موضوع له صريح ، أو لا يذكر بمثل هذا . ولا شك أن الذكر باللفظ الواحد الصريح أولى ؛ لأنه أوجز وأظهر في الإفادة ، وذلك « إستبرق » . فإن أراد الفصيح أن يترك هذا اللفظ ، ويأتي بلفظ آخر لم يمكنه ؛ لأن ما يقوم مقامه إما لفظ واحد أو ألفاظ متعددة ، ولا يجد العربي لفظا واحدا يدل عليه ؛ لأن الثياب من الحرير عرفها العرب من الفرس ، ولم يكن لهم بها عهد ، ولا وضع في اللغة العربية للديباج الثخين اسم ، وإنما عرّبوا ما سمعوا من العجم ، واستغنوا به عن الوضع ؛ لقلة وجوده عندهم ، ونزرة « 1 » لفظهم به .
وأما إن ذكره بلفظين فأكثر فإنه يكون قد أخلّ بالبلاغة ؛ لأن ذكر لفظين لمعنى يمكن ذكره بلفظ تطويل ؛ فعلم بهذا أن لفظ « إستبرق » يجب على كل فصيح أن يتكلم به في موضعه ، ولا يجد ما يقوم مقامه . وأي فصاحة أبلغ من ألا يوجد غيره مثله ؟ انتهى .
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام « 2 » - بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء والمنع عن أهل العربية : والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا ؛ وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء . لكنها وقعت للعرب ،
هامش
( 1 ) في الإتقان : وندرة تلفظهم .
( 2 ) البرهان : 1 - 290 ، 2 - 108 ، والصاحبى : 29