تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معترك الاقران في اعجاز القرآن — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
وروى مثله عن سعيد بن جبير ، ووهب بن منبه ؛ فهذه إشارة إلى أن حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن أنه حوى علم الأولين والآخرين ، ونبأ كل شئ ؛ فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ؛ لتتم إحاطته بكل شئ ، فاختير من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب . وأيضا فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم أرسل إلى كل أمة ، وقد قال تعالى « 1 » :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ »
؛ فلا بد أن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم ، وإن كان أصله بلغة قومه هو . وقد رأيت الحوفى « 2 » وابن النقيب ذكره ، وذكر لوقوع المعرب في القرآن فائدة أخرى ؛ فقال : إن قيل إن « إستبرق » ليس بعربي ، وغير العربي من الألفاظ دون العربي في الفصاحة والبلاغة ، فنقول : لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظ يقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عن ذلك ؛ وذلك لأن اللّه تعالى إذا حثّ عباده على الطاعة فإن لم يرغّبهم بالوعد الجميل ويخوّفهم بالعذاب الوبيل - لا يكون حثّه على وجه الحكمة ؛ فالوعد والوعيد نظرا إلى الفصاحة واجب . ثم إن الوعد بما يرغب فيه العقلاء ؛ وذلك منحصر في أمور الأماكن الطيبة ، ثم المآكل الشهية ، ثم المشارب الهنيّة ، ثم الملابس الرفيعة ، ثم المناكح اللذيذة ، ثم ما بعده مما تختلف فيه الطباع . فإذا ذكر الأماكن الطيبة والوعد به لازم عند الفصيح ؛ ولو تركه لقال من أمر بالعبادة ووعد عليها بالأكل والشرب : إن الأكل والشرب لا التذاذ به ، إذا كنت في حبس أو موضع كريه ؛ فلذا ذكر اللّه الجنة ومساكن طيبة فيها ، وكان ينبغي أن يذكر من الملابس ما هو أرفعها ، وأرفع الملابس في الدنيا الحرير
هامش
( 1 ) إبراهيم : 4 ( 2 ) في الاتقان : الخويى . والمثبت في ا ، ب .