تنبيه : ذكر الله تعالى عن هذه الثلاثة ثلاثة أمور كلها تفيد الكرامة ، الأول : قولهم
الْحَمْدُ لِلَّهِ
فإن الحامد يثاب . الثاني : قولهم
رَبَّنا
فإن الله تعالى إذا نودي بهذا اللفظ استجاب للمنادي ما لم يكن يطلب ما لا يجوز . الثالث : قولهم
لَغَفُورٌ شَكُورٌ
والغفور إشارة إلى ما غفر لهم في الآخرة بحمدهم في الدنيا ، والشكور إشارة إلى ما يعطيهم الله ويزيدهم بسبب حمدهم في الآخرة .
وقولهم :
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ
أي : الإقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل منها إلى منزلة القبور ، ومن القبور إلى منزلة العرصة التي فيها الجمع ومنها التفريق إلى دار البقاء ، إما إلى الجنة ، وإما إلى النار أجارنا الله تعالى ومحبينا منها . وقولهم
مِنْ فَضْلِهِ
أي : بلا عمل منا فإن حسناتنا إنما كانت منا منه تعالى إذ لا واجب عليه ، متعلق بأحلنا ، ومن إما للعلة ، وإما لابتداء الغاية .
وقولهم
لا يَمَسُّنا فِيها
أي : في وقت من الأوقات
نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ
حال من مفعول أحلنا الأول أو الثاني ، لأن الجملة مشتملة على ضمير كل منهما ، وإن كان الحال من الأول أظهر ، والنصب التعب والمشقة ، واللغوب الفتور الناشئ عنه ، وعلى هذا فيقال : إذا انتفى السبب انتفى المسبب ، فإذا قيل : لم آكل فيعلم التغاء الشبع فلا حاجة إلى قوله ثانيا فلم أشبع بخلاف العكس ، ألا ترى أنه يجوز لم أشبع ولم آكل والآية الكريمة على ما تقرر من نفي السبب ثم نفي المسبب فما فائدته ؟ أجيب : بأن النصب هو تعب البدن واللغوب هو تعب النفس ، وقيل :
اللغوب الوجع وحينئذ فالسؤال زائل ، وأجاب الرازي بجواب قال ابن عادل : ليس بذاك فتركته .
ولما بين تعالى ما هم فيه من النعمة في دار السرور التي قال فيها القائل « 1 » :
علياء لا تنزل الأحزان ساحتها * لو مسها حجر مسته سراء
بين ما لأعدائهم من النقمة زيادة في سرورهم بما قاسوا في الدنيا من تكبرهم عليهم وفخارهم بقوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
أي : ستروا ما دلت عليه عقولهم من شموس الآيات وأنوار الدلالات
لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ
أي : بما تجهموا أولياء الله الدعاة إليه
لا يُقْضى
أي : يحكم
عَلَيْهِمْ
أي : بموت ثان
فَيَمُوتُوا
أي : فيتسبب عن القضاء موتهم فيستريحوا كقوله تعالى
وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
[ الزخرف : 77 ] أي : بالموت فنستريح بل العذاب دائم .
تنبيه : نصب فيموتوا بإضمار أن .
ولما كانت الشدائد في الدنيا تنفرج وإن طال أمدها قال تعالى :
وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ
وأعرق في النفي بقوله تعالى :
مِنْ عَذابِها
أي : جهنم .
تنبيه : في الآية الأولى أن العذاب في الدنيا إن دام قتل وإن لم يقتل يعتاده البدن ويصير مزاجا فاسدا لا يحس به المعذب فقال : عذاب نار الآخرة ليس كعذاب الدنيا إما أن يفنى وإما أن يألفه البدن بل هو في كل زمان شديد والمعذب فيه دائم .
الثانية : وصف العذاب بأنه لا يفتر ولا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو الموت حتى يتمنوه ولا يجابون كما قال تعالى
وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
[ الزخرف : 77 ] أي : بالموت .
هامش
( 1 ) البيت من البسيط ، وهو لأبي نواس في ديوانه 1 / 22 ، وخزانة الأدب 1 / 359 .