تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
جملة المقتصدين ، فإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عداد السابقين ، وقيل غير ذلك والله أعلم . ولما كان هذا ليس في قوة العبد في مجاري العادات ولا يوجد بالكسب والاجتهاد أشار إلى عظمته بقوله تعالى :
بِإِذْنِ اللَّهِ
أي : بتمكين من له القدرة التامة والعظمة العامة والفعل بالاختيار وجميع صفات الجمال والجلال والكمال وتسهيله وتيسيره ، لئلا يأمن أحد مكره تعالى ، قال الرازي في « اللوامع » : ثم من السابقين من يبلغ محل القرب فيستغرق في وحدانيته تعالى
ذلِكَ
أي : إيراثهم الكتاب أو السبق أو الاصطفاء
هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
. ولما ذكر الله سبحانه وتعالى أحوالهم بين جزاءهم وما لهم بقوله تعالى مستأنفا جوابا لمن سأل عن ذلك :
جَنَّاتُ عَدْنٍ
أي : إقامة بلا رحيل ؛ لأنه لا سبب للترحيل عنها وقوله تعالى
يَدْخُلُونَها
أي : الثلاثة أصناف ، خبر جنات عدن ومن دخلها لم يخرج منها ؛ لأنه لا شيء يخرجه ولا هو يريد الخروج منها ، وقرأ أبو عمرو بضم الياء وفتح الخاء ، والباقون بفتح الياء وضم الخاء . ولما كان الداخل إلى مكان أول ما ينظر إلى ما فيه من النفائس قال تعالى
يُحَلَّوْنَ فِيها
أي : يلبسون على سبيل التزين والتحلي
مِنْ أَساوِرَ
أي : بعض أساور
مِنْ ذَهَبٍ
فمن الأولى للتبعيض ، والثانية للتبيين وقوله تعالى
وَلُؤْلُؤاً
عطف على ذهب أي : من ذهب مرصع باللؤلؤ ، أو من ذهب في صفاء اللؤلؤ ، وقرأ عاصم ونافع بالنصب عطفا على محل من أساور ، والباقون بالجر . تنبيه : أساور جمع أسورة وهي جمع سوار ، وذكر الأساور من بين سائر الحلي في مواضع كثيرة كقوله تعالى
وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ
[ الإنسان : 21 ] يدل على كون المتحلي غير مبتذل في الأشغال ؛ لأن كثرة الأعمال باليد فإذا حليت بالأساور علم الفراغ من الأعمال ، ولما كانت هذه الزينة لا تليق إلا على اللباس الفاخر قال تعالى
وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ
.
وَقالُوا
أي : ويقولون عند دخولهم ، وعبر عنه بالماضي تحقيقا له
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : حزن النار ، وقال قتادة : حزن الموت وقال مقاتل : لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع بهم ، وقال عكرمة : حزن السيئات والذنوب وخوف رد الطاعات ، وقال القاسم : حزن زوال النعم وخوف العاقبة ، وقيل : حزن أهوال القيامة ، وقال الكلبي : ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة ، وقال سعيد بن جبير : الحزن في الدنيا ، وقيل : همّ المعيشة ، وقال الزجاج : أذهب الله تعالى عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو معاد أي : وهذا أولى الكل قال عليه الصلاة والسلام : « ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم ، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون : « الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن » « 1 » . ثم قالوا
إِنَّ رَبَّنا
أي : المحسن إلينا مع إساءتنا
لَغَفُورٌ
أي : محّاء للذنوب عينا وأثرا للصنفين الأولين ولغيرهما من المذنبين
شَكُورٌ
للصنف الثالث ولغيره من المطيعين .
هامش
( 1 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 82 ، 333 ، والمنذري في الترغيب والترهيب 2 / 416 ، وابن حجر في فتح الباري 5 / 10 ، والسيوطي في الدر المنثور 4 / 188 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 128 ، 176 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 403 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين