لِنَفْسِهِ
أي : في التقصير بالعمل به
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
أي : يعمل به في أغلب الأوقات
وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
وهو من يضم إلى العمل به التعليم والإرشاد إلى العمل .
روى أسامة بن زيد في هذه الآية قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « كلهم من هذه الأمة » « 1 » . وروى أبو عثمان النهدي قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ على المنبر
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
الآية فقال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له » « 2 » وروى أبو الدرداء قال سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قرأ هذه الآية
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ
الآية [ فاطر : 32 ] قال : أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل الجنة ، ثم قرأ قوله تعالى
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
الآية .
وقال عقبة بن صهبان : سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله عز وجل
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
الآية فقالت : يا بني كلهم في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم شهد له رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بالجنة ، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق بهم ، وأما الظالم فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معنا ، وقال مجاهد والحسن :
فمنهم ظالم لنفسه هم أصحاب المشأمة ، ومنهم مقتصد هم أصحاب الميمنة ، ومنهم سابق بالخيرات السابقون المقربون من الناس كلهم .
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : السابق المؤمن المخلص ، والمقتصد المرائي والظالم الكافر نعمة الله تعالى غير الجاحد لها ؛ لأنه تعالى حكم للثلاثة بدخول الجنة .
وقيل : الظالم هو الراجح السيئات ، والمقتصد هو الذي تساوت سيئاته وحسناته ، والسابق هو الذي رجحت حسناته ، وقيل : الظالم هو الذي ظاهره خير من باطنه ، والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه ، والسابق من باطنه خير من ظاهره ، وقيل : الظالم هو الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه ، والمقتصد : هو الموحد الذي يمنع جوارحه من المخالفة بالتكليف ، والسابق هو الموحد الذي ينسيه التوحيد غير التوحيد .
وقيل : الظالم صاحب الكبيرة ، والمقتصد صاحب الصغيرة ، والسابق المعصوم ، وقيل :
الظالم التالي للقرآن غير العالم به والعامل به ، والمقتصد التالي العالم غير العامل ، والسابق التالي العالم العامل ، وقيل : الظالم الجاهل ، والمقتصد المتعلم ، والسابق العالم .
وقال جعفر الصادق : بدأ بالظالم إخبارا بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه وإن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء ، ثم ثنّى بالمقتصد ؛ لأنه بين الخوف والرجاء ، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره وكلهم في الجنة ، وقال أبو بكر الوراق : رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس ؛ لأن أحوال العبد ثلاثة : معصية وغفلة ، ثم توبة ، ثم قربة ، فإذا عصى دخل في حياز الظالمين ، فإذا تاب دخل في
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 1 / 131 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 96 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 4565 ، وابن كثير في تفسيره 6 / 534 .
( 2 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8 / 600 ، والسيوطي في الدر المنثور 5 / 252 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 2925 ، 4562 ، 4563 ، والقرطبي في تفسيره 1 / 346 .