تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
عمرو بن العاص : « ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد » « 1 » ، أي : من أهل الكبائر من أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بأن تخلى طبقتهم التي كانوا فيها وإن نازع في ذلك الزمخشري على مذهبه الفاسد من أنّ أهل الكبائر يخلدون في النار ، وأمّا الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى مدّة لبثهم في النار قبل دخولهم الجنة ، أو أنّ الاستثناء راجع إلى الفريقين فإنهم مفارقوا الجنة أيام عذابهم ، وأنّ التأبيد من مبدأ معين ينقص باعتبار الابتداء كما ينقص باعتبار الانتهاء ، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم ، ولا يقال : فعلى هذا لم يكن قوله تعالى :
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
تقسيما صحيحا ؛ لأنّ شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه ؛ لأنّ ذلك الشرط حيث التقسيم لانفصال حقيقي ، أو مانع من الجميع من الجنة والنار ، مدّة تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ وهو ما بين الموت إلى البعث ومدّة وقوفهم للحساب ، ثم يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيكون المعنى خالدين في الجنة والنار إلا هذا المقدار . وقيل : معناه لو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا يشاء ؛ لأنه تعالى حكم بالخلود . وقال الفراء : هذا الاستثناء استثناه اللّه تعالى ولا يفعله ، كقولك : واللّه لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك أن تضربه . وقال أهل المعاني : هذه عبارة عن التأبيد على عادة العرب يقولون : لا آتيك ما دامت السماوات والأرض ولا يكون كذا ما اختلف الليل والنهار يعنون أبدا . وقيل : إنّ أهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحيانا ، وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى من الجنة وهو الفوز برضوان اللّه تعالى ولقائه كما قال تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
[ التوبة ، 72 ] . وقرأ حفص وحمزة والكسائي سعدوا بضم السين على البناء للمفعول من سعده اللّه بمعنى أسعده والباقون بفتحها ، وعطاء نصب على المصدر المؤكد ، أي : أعطوا عطاء ، أو الحال من الجنة . ولما شرح اللّه تعالى أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أحوال الكفار من قومه فقال :
فَلا تَكُ
يا محمد
فِي مِرْيَةٍ ،
أي : شك
مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ
المشركون من الأصنام أننا نعذبهم كما عذبنا من قبلهم ، وهذه تسلية للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم
ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ ،
أي : كعبادتهم
مِنْ قَبْلُ
وقد عذبناهم
وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ
مثلهم
نَصِيبَهُمْ ،
أي : حظهم من العذاب
غَيْرَ مَنْقُوصٍ ،
أي : كاملا غير ناقص . ولما ذكر تعالى في هذه الآية إعراضهم عن الاتباع مع ما أتى به من المعجزات وأنزل عليه من الكتاب سلاه بأخيه موسى عليه السّلام بقوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ،
أي : التوراة الجامعة للخير
فَاخْتُلِفَ فِيهِ ،
أي : الكتاب ، فآمن به قوم وكفر به قوم ، كما اختلف هؤلاء في القرآن
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ
بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة
لَقُضِيَ ،
أي : لوقع القضاء
بَيْنَهُمْ ،
أي : بين من اختلف في كتاب موسى في الدنيا فيما اختلفوا فيه بإنزال ما يستحقه المبطل ليتميز به المحق ، ولكن سبقت الكلمة أنّ القضاء الكامل إنما يكون يوم القيامة
هامش
( 1 ) أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء 5 / 1863 ، والألباني في السلسلة الضعيفة 606 .