تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
والسّلام لما خالفوا الرسل وما ورد عليهم من عذاب الاستئصال وبين أنهم ظلموا أنفسهم فحل بهم العذاب في الدنيا . قال تعالى بعده :
وَكَذلِكَ ،
أي : ومثل ذلك الأخذ العظيم
أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ،
أي : القرى
ظالِمَةٌ
والمراد أهلها ونظيره قوله تعالى :
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها
[ القصص ، 58 ] وقوله تعالى :
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً
[ الأنبياء ، 12 ] فبين تعالى أنّ عذابه ليس مقصورا على من تقدّم ، بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك . ولما بيّن تعالى كيفية أخذ الأمم المتقدّمة ، ثم بين تعالى أنه إنما يأخذ جميع الظالمين على ذلك الوجه أتبعه بما يزيده تأكيدا وتقوية بقوله تعالى :
إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ ،
أي : مؤلم
شَدِيدٌ ،
أي : صعب مفتت القوى . وعن أبي موسى الأشعري رضي اللّه تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ اللّه تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » . ثم قرأ
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ »
« 1 » وفي هذه الآية الكريمة والحديث الشريف دلالة على أن من أقدم على ظلم فإنه يتداركه بالتوبة والإنابة وردّ الحقوق إلى أهلها ، إن كان الظلم للغير لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم والعذاب الشديد ، ولا يظنّ أنّ هذه الآية مختصة بظالمي الأمم الماضية بل هي عامّة في كل ظالم ويعضده الحديث .
إِنَّ فِي ذلِكَ ،
أي : ما ذكر من عذاب الأمم الماضية وإهلاكهم
لَآيَةً ،
أي : لعبرة وموعظة
لِمَنْ خافَ عَذابَ
يوم الحياة
الْآخِرَةِ
لأنه ينظر ما أحلّ اللّه تعالى بالمجرمين في الدنيا وما هو إلا أنموذج لما أعد لهم في الآخرة ، فإذا رأى عظمه وشدّته اعتبر به عظم العذاب الموعود فيكون له عبرة وعظة ولطفا في زيادة التقوى والخشية من اللّه تعالى ، وقوله :
ذلِكَ
إشارة إلى يوم القيامة ؛ لأنّ عذاب الآخرة دل عليه
يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ ،
أي : فيه
النَّاسُ ،
أي : إنّ خلق الأوّلين والآخرين كلهم يحشرون في ذلك اليوم ويجمعون ، ثم وصفه تعالى بوصف آخر بقوله تعالى :
وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ،
أي : يشهده أهل السماوات وأهل الأرض .
وَما نُؤَخِّرُهُ ،
أي : ذلك اليوم وهو يوم القيامة
إِلَّا لِأَجَلٍ ،
أي : وقت
مَعْدُودٍ ،
أي : معلوم محدود وذلك الوقت لا يعلمه إلا اللّه تعالى .
يَوْمَ يَأْتِ
ذلك اليوم
لا تَكَلَّمُ
فيه حذف إحدى التاءين ، أي : لا تتكلم
نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ
تعالى . وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بإثبات بعد التاء من يأتي وصلا ووقفا وحذفها الباقون ، وأمّا التاء من تكلم فشدّدها البزي في الوصل وخففها الباقون . فإن قيل : كيف يوفق بين قوله تعالى :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
[ النحل ، 111 ] وقوله تعالى :
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
أجيب : بأنّ ذلك اليوم يوم طويل له مواقف ومواطن ، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم ، وفي بعضها يكفون عن الكلام ولا يؤذن لهم ، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون ، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم
فَمِنْهُمْ ،
أي : الناس
شَقِيٌّ وَ
منهم
سَعِيدٌ ،
أي : فمنهم من سبقت له الشقاوة فوجبت له النار بمقتضى الوعيد ، ومنهم من سبقت له السعادة فوجبت له الجنة بموجب الوعد ، وعن عليّ رضي اللّه تعالى عنه قال :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في التفسير حديث 4686 ، ومسلم في البر حديث 2583 ، والترمذي في التفسير حديث 3110 ، وابن ماجة في الفتن حديث 4018 .