تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
أبغض إلى اللّه تعالى من عالم يزور عاملا ، أي : من الظلمة . وعن محمد بن سلمة : الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى اللّه في أرضه » « 1 » . ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء فقال : لا فقيل له : يموت ، فقال : دعه يموت . وقوله تعالى :
وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ،
أي : أعوانا وأنصارا يمنعوكم من عذابه حال من قوله :
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ،
أي : فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة
ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ،
أي : لا تجدون من ينصركم ويخلصكم من عذاب اللّه في القيامة . ففي هذه الآية وعيد لمن ركن إلى الظلمة بأن تمسه النار فكيف يكون حال الظالم في نفسه . ولما أمر تعالى بالاستقامة أردفه بالأمر بالصلاة بقوله تعالى :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ
وذلك يدلّ على أنّ أعظم العبادات بعد الإيمان بالله تعالى هو الصلاة وقوله تعالى :
طَرَفَيِ النَّهارِ
الغداة والعشي ، أي : الصبح والظهر والعصر . وقوله تعالى :
وَزُلَفاً
جمع زلفة ، أي : طائفة
مِنَ اللَّيْلِ ،
أي : المغرب والعشاء
إِنَّ الْحَسَناتِ
كالصلوات الخمس
يُذْهِبْنَ ،
أي : يكفرن
السَّيِّئاتِ ،
أي : الذنوب الصغائر ، لما رواه مسلم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهنّ ما اجتنبت الكبائر » « 2 » ، وزاد في رواية أخرى : « ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر » « 3 » ، وعن أبي هريرة أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرّات ما تقولون هل يبقى من درنه شيء ؟ قالوا : لا يا رسول اللّه ، لا يبقى من درنه شيء . فقال : ذلك مثل الصلوات الخمس يمحو اللّه بها الخطايا » « 4 » . وعن جابر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرّات » « 5 » . وعن الحسن أنّ الحسنات قول العبد : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر . وسبب نزول هذه الآية ما رواه الترمذي عن أبي اليسر بن عمرو قال : أتتني امرأة وزوجها بعثه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في بعث فقالت : بعني بدرهم تمرا . قال : فأعجبتني فقلت : إنّ في البيت تمرا هو أطيب من هذا فالحقيني ، فدخلت معي البيت فأهويت إليها فقبلتها ، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال : استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا ، فأتيت عمرا فذكرت له ذلك فقال : استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا ، فأتيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فذكرت ذلك له فقال : « أخنت رجلا غازيا في سبيل اللّه في أهله بمثل هذا » حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظنّ أنه من أهل النار وأطرق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طويلا حتى أوحي إليه :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ
إلى قوله تعالى :
ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ،
أي : عظة للمتقين . قال أبو اليسر : فأتيته فقرأها عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ألهذا خاصة أم للناس
هامش
( 1 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 6 / 133 ، والعجلوني في كشف الخفاء 2 / 343 ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار 2 / 88 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الطهارة حديث 233 . ( 3 ) انظر الحاشية السابقة . ( 4 ) أخرجه مسلم في المساجد حديث 667 ، والترمذي في الأمثال حديث 2868 . ( 5 ) أخرجه مسلم في المساجد حديث 668 .