تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
والنار ضدّه . فإن قيل : لفظ النار مؤنث فكان مقتضى ذلك أن يقال : وبئست الورد المورود ؟ أجيب : بأن لفظ الورد مذكر فكان التذكير والتأنيث جائزين كما تقول : نعم المنزل دارك ونعمت المنزل دارك ، فمن ذكر غلب المنزل ومن أنث بنى على تأنيث الدار .
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ ،
أي : الدنيا
لَعْنَةً ،
أي : طردا وبعدا عن الرحمة
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ،
أي : وأتبعوا يوم القيامة لعنة أخرى فهم ملعونون في الدنيا والآخرة ، ونظيره قوله تعالى في سورة القصص :
وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ
[ القصص ، 42 ] .
بِئْسَ الرِّفْدُ ،
أي : العون
الْمَرْفُودُ
رفدهم ، سأل رافع بن الأزرق ابن عباس عن ذلك فقال : هو اللعنة بعد اللعنة . وقال قتادة : ترادفت عليهم لعنتان من اللّه تعالى لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة ، وكل شيء جعلته عونا لشيء فقد رفدته به ، وسميت اللعنة عونا ؛ لأنها إذا أتبعتهم في الدنيا أبعدتهم عن الرحمة وأعانتهم على ما هم فيه من الضلال . وسميت رفدا أي عونا لهذا المعنى على التهكم كقول القائل « 1 » :
تحية بينهم ضرب وجيع
وسميت معانا لأنها أردفت في الآخرة بلعنة أخرى ليكونا هاديتين إلى طريق الجحيم . ولما ذكر تعالى قصص الأوّلين قال تعالى :
ذلِكَ ،
أي : المذكور وهو مبتدأ خبره
مِنْ أَنْباءِ الْقُرى ،
أي : أخبار أهل القرى وهم الأمم السالفة في القرون الماضية ، وقوله تعالى :
نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ،
أي : نخبرك به يا محمد خبرا بعد خبر ، وفائدة ذكر هذه القصص على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليعلم السامع أنّ المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ، وأنّ الكافر يخرج مع اللعنة في الدنيا والعقاب في الآخرة ، وإذا تكرّرت هذه الأقاصيص على السمع فلا بدّ وأن يلين القلب وتخضع النفس وتزول العداوة ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال . وفي إخباره صلّى اللّه عليه وسلّم بهذه القصص من غير مطالعة كتب ولا تتلمذ دلالة على نبوّته فإنّ ذلك لا يكون إلا بوحي من اللّه تعالى
مِنْها ،
أي : القرى
قائِمٌ ،
أي : باق كالزرع القائم هلك أهله دونه
وَ
منها
حَصِيدٌ ،
أي : عافي الأثر كالزرع المحصود هلك مع أهله .
وَما ظَلَمْناهُمْ ،
أي : بإهلاكهم بغير ذنب
وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
بالكفر والمعاصي . وقال ابن عباس : يريد وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث استخفّوا بحقوق اللّه تعالى
فَما أَغْنَتْ ،
أي : دفعت
عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ،
أي : أصنامهم
الَّتِي يَدْعُونَ ،
أي : يعبدون
مِنْ دُونِ اللَّهِ ،
أي : غيره
مِنْ شَيْءٍ
أي شيئا فمن مزيدة
لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ،
أي : عقابه
وَما زادُوهُمْ
بعبادتهم
غَيْرَ تَتْبِيبٍ ،
أي : غير تخسير ، وقيل : تدمير . ولما أخبر اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في كتابه بما فعله بأمم من تقدّم من الأنبياء عليهم الصلاة
هامش
( 1 ) صدره :وخيل قد دلفت لها بخيلوالبيت من الوافر ، وهو لعمرو بن معديكرب في ديوانه ص 149 ، وخزانة الأدب 9 / 252 ، 257 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 200 ، والكتاب 3 / 50 ، ونوادر أبي زيد ص 150 ، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 1 / 345 ، والخصائص 1 / 368 ، وشرح المفصل 2 / 80 ، والكتاب 2 / 323 ، والمقتضب 2 / 20 ، 4 / 413 .