تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 705

مساهمون:

ص٧٠٥
عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه قال : لو أن رجلا دخل بيتا في جوف بيت فأدى هناك عملا أوشك الناس أن يتحدثوا به ، وما من عامل عمل عملا إلا كساه اللّه رداء عمله إن كان خيرا فخير ، وإن كان شرا فشر ، وعن سعيد : لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوّة لخرج عمله للناس كائنا من كان
إِنَّ اللَّهَ
أي : الذي له الإحاطة بكل شيء
خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
أي : لا يخفى عليه شيء من سرائركم فإنه فاضحكم لا محالة ، ومجازيكم على نفاقكم . ولما نبه اللّه تعالى على خداعهم ، وأشار إلى عدم الاغترار بإيمانهم أمر بترغيبهم وترهيبهم مشيرا إلى الإعراض عن عقوبتهم بقوله تعالى :
قُلْ
أي : لهم
أَطِيعُوا اللَّهَ
أي : الذي له الكمال المطلق
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
أي : الذي له الرسالة المطلقة ظاهرا وباطنا ، وقوله تعالى :
فَإِنْ تَوَلَّوْا
أي : عن طاعته بحذف إحدى التاءين خطاب لهم أي : فإن تتولوا فما ضررتموه ، وإنما ضررتم أنفسكم
فَإِنَّما عَلَيْهِ
أي : محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
ما حُمِّلَ
أي : ما حمله اللّه تعالى من أداء الرسالة ، وإذا أدّى فقد خرج من عهدة التكليف
وَعَلَيْكُمْ
أي : وأما أنتم فعليكم
ما حُمِّلْتُمْ
أي : ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان ، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم أنفسكم لسخط اللّه وعذابه ، وإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى ، فالنفع والضر عائد إليكم
وَإِنْ تُطِيعُوهُ
بالإقبال على كل ما يأمركم به
تَهْتَدُوا
أي : إلى كل خير
وَما عَلَى الرَّسُولِ
أي : من جهة غيره
إِلَّا الْبَلاغُ
أي : وما الرسول إلا ناصح وهاد ، وما عليه إلا أن يبلغ ما له نفع في قبولكم ، ولا عليه ضرر في توليتكم ، والبلاغ بمعنى التبليغ كالأداء بمعنى التأدية ، ومعنى
الْمُبِينُ
كونه مقرونا بالآيات والمعجزات . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال على المنبر : « من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر اللّه ، والتحدث بنعمة اللّه شكر ، وتركه كفر ، والجماعة رحمة والفرقة عذاب » « 1 » ، وقال أبو أمامة الباهلي : عليكم بالسواد الأعظم ، فقال رجل : ما السواد الأعظم ؟ فنادى أبو أمامة هذه الآية في سورة النور ، فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم . وقوله تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ
أي : الذي له الإحاطة بكل شيء
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
أي : تصديقا لإيمانهم
الصَّالِحاتِ
خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وللأمة أو له ولمن معه ومن للبيان ، ثم أكد غاية التأكيد بلام القسم لما عند أكثر الناس من الريب في ذلك بقوله تعالى :
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
أي : أرض العرب والعجم بأن يمدّ زمانهم وينفذ أحكامهم ، فيجعلهم متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أي : من الأمم من بني إسرائيل وغيرهم من كل من حصلت له مكنة وظفر على الأعداء بعد الضعف الشديد كما كتب في الزبور أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ، وكما قال موسى : إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، وقرأ أبو بكر بضم التاء الفوقية وكسر اللام ، والباقون بفتح التاء واللام
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
أي : في الباطن والظاهر
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ
وهو دين الإسلام ، وتمكينه
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 278 ، 375 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 362 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 6479 ، 6480 ، والقرطبي في تفسيره 10 / 102 ، وابن كثير في تفسيره 8 / 449 ، والعجلوني في كشف الخفاء 2 / 398 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 705 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين