تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 706

مساهمون:

ص٧٠٦
تثبيته وتوكيده ، وأضافه إليهم إشارة إلى رسوخ أقدامهم فيه ، وأنه الذي لا ينسخ ، ولما بشرهم بالتمكين أشار لهم إلى مقداره بقوله تعالى :
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أي : الذي كانوا عليه
أَمْناً
وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين ، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى قال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تصبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس فيه حديدة » « 1 » وأنجز اللّه تعالى وعده وأظفرهم على جزيرة العرب ، وافتتحوا بعض بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم ، واستولوا على الدنيا واستعبدوا أبناء القياصرة وتمكنوا شرقا وغربا مكنة لم تحصل قبلهم لأمة من الأمم ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها » « 2 » ، ولما قتلوا عثمان رضي اللّه عنه وخرجوا على عليّ ثم ابنه الحسن نزع اللّه ذلك الأمر كما أشير إليه بمن ، وتنكير أمنا ، وجاء الخوف واستمر يتطاول ويزداد قليلا قليلا إلى أن صار في زماننا هذا إلى أمر عظيم ، وذلك تصديق لقوله عليه أفضل الصلاة والسّلام : « الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم يملك اللّه من يشاء ، فتصير ملكا ثم تصير بزيزى قطع سبيل وسفك دماء وأخذ أموال بغير حقها » « 3 » ، والثلاثون : خلافة أبي بكر سنتان ، وخلافة عمر عشرة ، وخلافة عثمان اثنا عشر ، وخلافة علي ستة ، والبزّيزى بكسر الباء وتشديد الزاي الأولى والقصر ، السلب والتغلب ، وقوله : قطع سبيل إما عطف بيان لقوله : نصب بزّيزى ، أو بدل منه ، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بسكون الباء الموحدة وتخفيف الدال ، والباقون بفتح الموحدة وتشديد الدال ، ثم أتبع ذلك بنتيجته بقوله تعالى تعليلا للتمكين وما معه
يَعْبُدُونَنِي
أي : وحدي ، وقوله تعالى :
لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً
حال من الواو أي : يعبدونني غير مشركين فإن قيل : فما محل يعبدونني ؟ أجيب : بأنه مستأنف لا محل له كأن قائلا قال ما لهم مستخلفين ويؤمنون ؟ فقال : يعبدونني ويجوز أن يكون حالا عن وعدهم أي : وعدهم اللّه ذلك في حال عبادتهم وإخلافهم فمحله النصب ، ولما كان التقدير فمن ثبت على دين الإسلام وانقاد لأحكامه واستقام ، نال هذه البشرى عطف عليه قوله تعالى :
وَمَنْ كَفَرَ
أي : ارتد وكفر هذه النعمة
بَعْدَ ذلِكَ
أي : بعد الوعد أو الخلافة
فَأُولئِكَ
أي : البعداء من الخير
هُمُ الْفاسِقُونَ
أي : الخارجون عن الدين خروجا كاملا لا يقبل معه معذرة ، ولا يقال لصاحبه عثرة ، بل تقام عليهم الأحكام بالقتل وغيره ، ولا يراعى منهم ملام ولا تؤخذ بهم رأفة عند انتقام كما تقدم أول السورة فيمن لزمه الجلد ، وقيل : المراد بالكفر كفران النعمة لا الكفر بالله ، وقوله تعالى :
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
أي : العاصون لله . وقوله تعالى :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
أي : فإنها قوام ما بينكم وبين ربكم معطوف على أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول ؛ قال الزمخشري : وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في تفسيره 26179 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الفتن حديث 2889 ، وأبو داود في الفتن حديث 4252 ، والترمذي في الفتن حديث 2176 . ( 3 ) أخرج الجزء الأول من الحديث الترمذي حديث 2226 ، وأحمد في المسند 5 / 220 ، 221 .