الملك الأعظم من أحكامه
وَرَسُولِهِ
وأفرد الضمير في قوله تعالى :
لِيَحْكُمَ
وقد تقدمه اسمان وهما اللّه ورسوله ، فهو كقوله تعالى :
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
[ التوبة ، 62 ] ؛ لأن حكم رسوله هو حكمه . قال الزمخشري : كقولك : أعجبني زيد وكرمه ، تريد كرم زيد ومنه قوله « 1 » :
ومنهل من الفلا في أوسطه * غلسته قبل القطا وخرّطه
أي : قبل فرط القطا
بَيْنَهُمْ
أي : بما أراه اللّه
إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ
أي : ناس مجبولون على الأذى
مُعْرِضُونَ
أي : فاجؤوا الإعراض إذا كان الحق عليهم لعلمهم بأنك لا تحكم لهم وهو شرح للتولي ومبالغة فيه .
وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ
أي : على سبيل الفرض
الْحَقُّ
أي : بلا شبهة
يَأْتُوا إِلَيْهِ
أي : الرسول
مُذْعِنِينَ
أي : منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم لأنهم يعلمون أنه دائر مع الحق لهم وعليهم ، فليس انقيادهم لطاعة اللّه ورسوله .
تنبيه : قوله تعالى :
إِلَيْهِ
يجوز تعليقه بيأتوا لأن أتى وجاء قد يتعديان بإلى ، ويجوز أن يتعلق بمذعنين ؛ لأنه بمعنى مسرعين في الطاعة ، وصححه الزمخشري قال : لتقدم صلته ودلالته على الاختصاص ومذعنين حال .
ثم قسم تعالى الأمر في عدولهم عن حكومته صلّى اللّه عليه وسلّم إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب بقوله تعالى :
أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
أي : نوع فساد من أصل الفطرة يحملهم على الضلال ، أو مرتابين في نبوته بقوله تعالى :
أَمِ ارْتابُوا
أي : بأن رأوا منك تهمة فزالت ثقتهم ويقينهم بك أو خائفين الحيف في قضائه بقوله تعالى :
أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ
أي : يجور
اللَّهُ
أي : الغني عن كل شيء لأن له كل شيء
عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ
أي : الذي لا ينطق عن الهوى ، ثم أضرب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول بقوله تعالى :
بَلْ أُولئِكَ
أي : البعداء البغضاء
هُمُ الظَّالِمُونَ
أي : الكاملون في الظلم ، ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم ، والثاني : إما أن يكون محققا عندهم أو متوقعا ، وكل منهما باطل لأن منصب نبوته وفرط أمانته تمنعه فتعين الأول فظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف وضمير الفصل لنفي ذلك عن غيرهم فإن قيل : إذا خافوا أن يحيف اللّه عليهم ورسوله فقد ارتابوا في الدنيا ، وإذا ارتابوا ففي قلوبهم مرض والكل واحد فأي فائدة في التعديد ؟
أجيب : بأن قوله تعالى :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
أشار به إلى النفاق ، وقوله تعالى :
أَمِ ارْتابُوا
إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا حيث يتركون الدين بسببه فإن قيل : هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة فكيف أدخل عليها كلمة أم ؟ أجيب بأنه تعالى نبههم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق وكان فيها شك وارتياب وكانوا يخافون الحيف من الرسول ، وكل واحد من ذلك كفر ونفاق ، واختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، فقال مقاتل : نزلت في بشر المنافق وكان قد خاصم يهوديا في أرض ، فقال اليهودي : نتحاكم إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال المنافق : نتحاكم إلى كعب بن الأشرف فإن محمدا يحيف علينا ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية وقد
هامش
( 1 ) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ( ظلل ) ، وتهذيب اللغة 14 / 359 ، وتاج العروس ( غبط ) ، ( ظلل ) ، وأساس البلاغة ( ظلل ) ، ( سقط ) .