تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 704

مساهمون:

ص٧٠٤
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ
أي : الذي له الكمال المطلق ، وقوله تعالى :
جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها ، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها ، وعن ابن عباس : من قال بالله فقد بالغ في اليمين ، وبلغ غاية شدتها
لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ
أي : أمر من الأمور
لَيَخْرُجُنَّ
مما هم متلبسون به من خلافه كائنا ما كان ، وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أينما كنت نكن معك لئن خرجت خرجنا ولئن أقمت أقمنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا ، فقال اللّه تعالى :
قُلْ
أي : لهم
لا تُقْسِمُوا
أي : لا تحلفوا فإن العلم بما أنتم عليه لا يحتاج إلى الإقسام ، وههنا قد تم الكلام ، ولو كان قسمهم صادقا لما نهوا عنه ؛ لأن من حلف على القيام بالبر لا ينهى عنه ، فثبت أن قسمهم كان لنفاقهم ، وكان باطنهم يخالف ظاهرهم ، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه قبيح ؛ قال المتنبي « 1 » :
وفي اليمين على ما أنت واعده * ما دل أنك في الميعاد متهم
وفي رفع قوله تعالى :
طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ
ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره أمرنا طاعة أو المطلوب طاعة ، ثانيها : أنه مبتدأ والخبر محذوف ، أي : أمثل أو أولى أو خير أي : طاعة معروفة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه ، ثالثها : طاعة مبتدأ أي : هذه الحقيقة ومعروفة هو الخبر أي : معروفة منكم ومن غيركم وإرادة الحقيقة هو الذي سوغ الابتداء بها مع تنكير لفظها ؛ لأن العموم الذي تصلح له قد تخصص بإرادة الحقيقة كما قالوه في أعرف المعارف . والمعنى أن الطاعة وإن اجتهد العبد في إخفائها لا بد أن تظهر مخايلها عل شمائله ، وكذا المعصية ؛ لأنه « ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه اللّه رداءها » « 2 » رواه الطبراني عن عثمان ، وعن
هامش
( 1 ) البيت من البسيط ، وهو في ديوان المتنبي 2 / 177 ( طبعة دار الكتب العلمية ) . ( 2 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 2 / 184 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 225 .