تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 699

مساهمون:

ص٦٩٩
ثم نبه سبحانه وتعالى بقوله :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
على أن الكل منه لأن كل ما سواه ممكن ومحدث ، والممكن والمحدث لا يوجد إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب الوجود ويدخل في هذا جميع الأجرام والأعراض ، وأفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ، وفي قوله تعالى :
وَإِلَى اللَّهِ
أي : الذي له الإحاطة بكل شيء
الْمَصِيرُ
دليل على المعاد وأنه لا بد من مصير الكل إليه بعد الفناء . والرؤية في قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ
نظرية
أَنَّ اللَّهَ
أي : ذا الجلال والجمال
يُزْجِي سَحاباً
أي : يسوقه برفق بعد أن أنشأه من العدم تارة من السفل وتارة من العلو ضعيفا رقيقا متفرقا ؛ قال أبو حيان : وهو اسم جنس واحده سحابة والمعنى يسوق سحابة إلى سحابة ، وهو معنى قوله تعالى :
ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ
أي : بين أجزائه بعد أن كان قطعا في جهات مختلفة ، فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة ،
ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً
في غاية العظمة متراكما بعضه على بعض بعد أن كان في غاية الرقة
فَتَرَى
أي : في تلك الحالة المستمرة
الْوَدْقَ
أي : المطر
يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ
أي : من فتوقه التي حدثت بالتراكم وإرهاص بعضه في بعض . فإن قيل : بين إنما تدخل على مثنى فما فوقه فلم دخلت هنا على مفرد ؟ أجيب : بأن المراد بالسحاب الجنس فعاد الضمير على حكمه أو على حذف مضاف أي : بين أجزائه كما مر وبين قطعه فإن كل قطعة سحابة ، وقرأ السوسي فترى في الوصل بالإمالة بخلاف عنه والباقون بالفتح ، وأما في الوقف فأبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة وورش بالإمالة بين بين ، والباقون بالفتح ،
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ
أي : من الغمام وكل ما علا فهو سماء
مِنْ جِبالٍ فِيها
أي : في السماء وهي السحاب الذي صار بعد تراكمه كالجبال وقوله تعالى :
مِنْ بَرَدٍ
بيان للجبال ، والمفعول محذوف أي : ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها من برد بردا ، فمن الأولى : لابتداء الغاية باتفاق ، والثانية : للتبعيض ، والثالثة : للبيان ، ويجوز أن تكون الثانية لابتداء الغاية أيضا ومجرورها بدل من الأولى بإعادة العامل والتقدير وينزل من جبال أي : من جبال فيها فهو بدل اشتمال ، والأخيرة للتبعيض واقع موقع المفعول . فإن قيل : ما معنى
مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ ؟
أجيب : بأن فيه معنيين ؛ أحدهما : أن يخلق اللّه في السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر وليس في العقل قاطع يمنعه ، الثاني : أن يراد الكثرة بذكر الجبال برد كما يقال : فلان يملك جبالا من ذهب ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وإخفائها عند الزاي وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ، ثم بيّن تعالى أن ذلك باختياره وإرادته بقوله تعالى :
فَيُصِيبُ بِهِ
أي : بكل من البرد والمطر على وجه النقمة أو الرحمة
مَنْ يَشاءُ
أي من الناس وغيرهم
وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ
صرفه عنه :

فائدة :

عن مقطوعة من في الرسم ، ثم نبه تعالى على ما هو غاية في العجب في ذلك مما في الماء من النور الذي ربما نزل منه صاعقة فأحرقت ما لا تحرق النار بقوله تعالى :
يَكادُ
أي يقرب
سَنا
أي ضوء
بَرْقِهِ
وهو اضطراب النور في خلاله
يَذْهَبُ
أي هو ملتبسا
بِالْأَبْصارِ
أي : الناظرة له أي : يخطفها لشدّة لمعانه وتلألئه فتكون قوة البرق دليلا على تكاثف السحاب وبشيرا بقوة المطر ونذيرا بنزول الصواعق ، واعلم أن البرق الذي صفته كذلك لا بد وأن يكون نارا عظيمة خالصة ، والنار ضد الماء والبرد فظهوره يقتضي ظهور الضدّ من الضدّ وذلك لا