تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 690

مساهمون:

ص٦٩٠
ولما ذكر تعالى في هذه السورة هذه الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث : أحدها : قوله تعالى :

[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 34 إلى 40 ]

وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 34 ) اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 35 ) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ( 37 ) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 38 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 39 ) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ( 40 )
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ
أي : الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت فيها الأحكام والحدود ، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر الياء التحتية والباقون بفتحها ؛ لأنها واضحات تصدقها الكتب المتقدمة والعقول السليمة من بين بمعنى تبين أو لأنها بينت الأحكام والحدود . ثانيها : قوله تعالى :
وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
أي : من جنس أمثالهم ، أي : وقصة عجيبة مثل قصصهم وهي قصة عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، فإنها كقصة يوسف ومريم عليهما السّلام . ثالثها : قوله تعالى :
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
أي : ما وعظ به في قوله تعالى :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
[ النور ، 2 ] ، وقوله تعالى :
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ
[ النور ، 12 ] إلخ ، وفي قوله تعالى :
وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ
[ النور ، 16 ] إلخ ، وفي قوله تعالى :
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا
[ النور ، 17 ] إلخ وتخصيصها بالمتقين لأنهم المنتفعون بها . واختلف في معنى قوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فقال ابن عباس : اللّه هادي أهل السماوات والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهدايته من حيرة الضلال ينجون ، وقال الضحاك : منور السماوات والأرض ، فقال : نور السماء بالملائكة ، ونور الأرض بالأنبياء ، وقال مجاهد : مدبر الأمور في السماوات والأرض ، وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية : مزين السماوات والأرض ؛ زين السماء بالشمس والقمر والنجوم ، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين ، ويقال : بالنبات والأشجار ، وقيل : معناه الأنوار كلها منه ؛ كما يقال : فلان رحمة أي : منه الرحمة وقد يذكر مثل هذا اللفظ على طريق المدح كما قال القائل « 1 » :
إذا سار عبد اللّه من مرو ليلة * فقد سار منها نورها وجمالها
هامش
( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .