تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 689

مساهمون:

ص٦٨٩
وَآتُوهُمْ
أمر للسادة
مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
ما يستعينون به في أداء ما التزموه لكم أيها السادة ، وفي معنى الإيتاء حط شيء متمول مما التزموه بل الحط أولى من الدفع ؛ لأن القصد بالحط الإعانة على العتق وهي محققة فيه موهومة في الدفع إذ قد يصرف المدفوع في جهة أخرى ، وكون ذلك في النجم الأخير أولى منه فيما قبله لأنه أقرب إلى العتق . يروى أن عمر رضي اللّه تعالى عنه كاتب عبدا له يكنى أبا أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمر وقال : استعن به على كتابتك ، فقال : لو أخرته إلى آخر نجم ، فقال : أخاف أن لا أدرك ذلك وكونه ربعا من النجوم أولى ، فإن لم تسمح به نفسه فكونه سبعا أولى ، روى حط الربع النسائي وغيره ، وحط السبع مالك عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنه ، وعند أبي حنيفة أمر للمسلمين على جهة الوجوب بإعانتهم للمكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل اللّه لهم من بيت المال كقوله :
وَفِي الرِّقابِ
[ البقرة ، 177 ] ولما بين تعالى ما يصح من تزويج العبيد والإماء أتبع ذلك بالحكم العاشر وهو الإكراه على الزنا المذكور في قوله تعالى :
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ
أي : إماءكم
عَلَى الْبِغاءِ
أي : الزنا . كان لعبد اللّه بن أبيّ رأس المنافقين ست جوار معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة ، يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت اثنتان منهن إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت ، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤاجرون إماءهم ، فلما جاء الإسلام قالت مسيكة لمعاذة : إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين ، فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه ، وإن يك شرا فقد آن لنا أن ندعه ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين يوما ببرد ، وجاءت الأخرى بدينار فقال لهما : ارجعا فازنيا ، فقالا : واللّه لا نفعل قد جاء الإسلام وحرم الزنا ، فأتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وشكيا إليه فنزلت . ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة ، وفي الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي » « 1 »
إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً
أي : تعففا عنه وهذه الإرادة محل الإكراه فلا مفهوم للشرط ؛ لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن ، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن فإنها بغي الطبع طوعا ، وكلمة إن وإيثارها على إذا إيذان بأن الباغيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ النادر ولأن الكلام ورد على سبب ، وهو الذي ذكر في سبب نزول الآية ، فخرج النهي على صورة صفة السبب وإن لم تكن شرطا فيه ، وقال الحسين بن الفضل : في الآية تقديم وتأخير تقديرها : وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصنا ، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء
لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا
أي : تطلبوا من أموال الدنيا بكسبهن وأولادهن
وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ
أي : لهن
رَحِيمٌ
بهن ، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال لهن : واللّه لهن أي : لا للمكره إلا إذا تاب . فإن قيل : إن المكرهة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة ؟ أجيب : بأن الزنا لا يباح بالإكراه فهي آثمة لكن لا حد عليها للإكراه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في العتق حديث 2552 ، ومسلم في الألفاظ حديث 2249 ، وأبو داود في الأدب حديث 4975 .