تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
وَإِلى عادٍ
أي : وأرسلنا إلى عاد
أَخاهُمْ
فهو معطوف على قوله تعالى :
نُوحاً
وقوله تعالى :
هُوداً
عطف بيان ومعلوم أنّ تلك الأخوة ما كانت في الدين ، وإنما كانت في النسب لأنّ هودا كان رجلا من قبيلة عاد قبيلة من العرب كانوا بناحية اليمن . فإن قيل : إنه تعالى قال في ابن نوح :
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
فبيّن أنّ قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة الدين ، وهنا أثبت هذه الأخوة مع الاختلاف في الدين ؟ أجيب : بأنّ قوم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يستبعدون أن يكون رسولا من عند اللّه تعالى مع أنه واحد من قبيلتهم ، فذكر اللّه تعالى أنّ هودا كان واحدا من عاد ، وأنّ صالحا كان واحدا من ثمود لإزالة هذا الاستبعاد ، ولما تقدّم أمر نوح عليه السّلام مع قومه استشرف السامع إلى معرفة ما قال هود عليه السّلام هل هو مثل قوله أولا ؟ فاستأنف الجواب بقوله :
قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
أي : وحدوه ولا تشركوا معه شيئا في العبادة .
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
أي : هو إلهكم ؛ لأنّ هذه الأصنام التي تعبدونها حجارة لا تضر ولا تنفع . فإن قيل : كيف دعاهم إلى عبادة اللّه تعالى قبل إقامة الدليل على ثبوت الإله ؟ أجيب : بأنّ دلائل وجود اللّه تعالى ظاهرة وهي دلائل الآفاق والأنفس وقلما يوجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله ، ولذلك قال تعالى في صفة الكفار :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ لقمان ، 25 ] . وقرأ الكسائي بكسر الراء والهاء صفة على اللفظ والباقون بالرفع صفة على محل الجار والمجرور ومن زائدة
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ
أي : كاذبون في عبادتكم غيره . وكرر قوله :
يا قَوْمِ
للاستعطاف ، وقوله :
لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي
أي : خلقني ، خاطب به كل رسول قومه إزالة للتهمة وتمحيضا للنصيحة فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
أي : أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل والصواب من الخطأ فتتعظون . ثم قال :
وَيا قَوْمِ
أيضا لما ذكر
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
أي : آمنوا به
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
من عبادة غيره ؛ لأنّ التوبة لا تصح إلا بعد الإيمان
يُرْسِلِ السَّماءَ
أي : المطر
عَلَيْكُمْ مِدْراراً
أي : كثير الدر
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ
أي : ويضاعف قوّتكم ، وإنما رغبهم بكثرة المطر وزيادة القوّة ، لأنّ القوم كانوا أصحاب زرع وبساتين وعمارات حراصا عليها أشدّ الحرص ، فكانوا أحوج شيء إلى الماء ، وكانوا مذلين غيرهم بما أوتوا من شدّة القوّة والبطش والبأس والنجدة ، مهابين في كل ناحية ، وقيل : أراد القوّة في المال . وقيل : القوة على النكاح . وقيل : حبس عنهم المطر ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم . وعن الحسن بن علي رضي اللّه تعالى عنهما أنه وفد على معاوية ، فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال : إني رجل ذو مال ولا يولد لي فعلمني شيئا لعل اللّه يرزقني ولدا . فقال : عليك بالاستغفار . فكان يكثر الاستغفار حتى ربّما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرّة