تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
تنبيه : قال الزمخشري قد نقيضة لما هي تثبت المتوقع ولما تنفيه ، ولا شك أنّ المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم ، فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه . فإن قيل : ما المؤمن ؟ أجيب : بأنه في اللغة هو المصدق وأما في الشريعة فقد اختلف فيه على قولين : أحدهما : أنّ كل من نطق بالشهادتين مواطئا قلبه لسانه ، فهو مؤمن والآخر أنه صفة مدح لا يستحقها إلا البر التقي دون الفاسق ، ثم إنه تعالى حكم بحصول الفلاح لمن كان مستجمعا لصفات سبعة : الصفة الأولى : كونهم مؤمنين . الصفة الثانية : المذكورة في قوله تعالى :
الَّذِينَ هُمْ
أي : بضمائرهم وظواهرهم
فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
قال ابن عباس : مخبتون أذلاء ، وقيل : خائفون ، وقيل : متواضعون ، وعن قتادة : الخشوع إلزام موضع السجود ، روى الحاكم - وقال : صحيح على شرط الشيخين - : « أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يصلي رافعا بصره إلى السماء ، فلما نزلت هذه الآية رمى ببصره إلى نحو مسجده » « 1 » أي : موضع سجوده وكان الرجل إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أنّ يشدّ بصره إلى شيء أو يحدّث بشيء من شأن الدنيا ، وقيل : هو جمع الهمة لها والإعراض عما سواها ، ومن الخشوع أنّ يستعمل الأدب فيتوقى كف الثوب والعبث بجسده وثيابه والتشبيك والالتفات والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم والسدل والفرقعة والاختصار ، وتقليب الحصى ، روى الترمذي لكن بسند ضعيف : « أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال : لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه » « 2 » ، ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول : اللهم زوّجني الحور العين فقال : بئس الخاطب أنت تخطب وأنت تعبث ، وعنه أنه قال : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع ، وعن معاذ بن جبل : من عرف من على يمينه وشماله وهو في الصلاة فلا صلاة له ، وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها » « 3 » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب » « 4 » وقال : « من لم تنهه الصلاة عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من اللّه إلا بعدا » « 5 » . فينبغي للشخص أنّ يحتاط في صلاته ليوقعها على التمام ، فإنّ بعض العلماء اختار عدم الإمامة ، فقيل له في ذلك ، فقال : أخاف إن تركت الفاتحة أنّ يعاتبني الشافعيّ وإن قرأتها أنّ يعاتبني أبو حنيفة فاخترت عدم الإمامة طلبا للخلاص من هذا الخلاف . فإن قيل : لم أضيفت الصلاة إليهم ؟ أجيب : بأنّ الصلاة وصلة بين اللّه وبين عباده والمصلي هو المنتفع بها وحده ، وهي عدّته وذخيرته فهي صلاته ، وأما اللّه تعالى فهو غنيّ متعال عن الحاجة إليها والانتفاع بها . الصفة الثالثة المذكورة في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ
أي : بضمائرهم التي تتبعها ظواهرهم
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 393 ، وابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 1 / 194 . ( 2 ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 2 / 289 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 3 / 23 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 5891 . ( 3 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 3 / 116 . ( 4 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 3 / 112 ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار 1 / 159 . ( 5 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 11 / 54 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 2 / 258 .