تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 628

مساهمون:

ص٦٢٨
أنه لا يسجد وهو قول سفيان الثوري ، وقول أبي حنيفة وأصحابه ؛ لأنهم يقولون : قرن السجود بالركوع في ذلك ، فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة . ولما كان الجهاد أساس العبادة وهو مع كونه حقيقة في جهاد الكفار صالح لأنّ يعم كل أمر بمعروف ونهي عن منكر بالمال والنفس بالقول والفعل ، بالسيف وغيره وكل جهاد في تهذيب النفس وإخلاص العمل ختم به فقال تعالى :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ
أي : لله ومن أجله أعداء دينه الظاهرة كأهل الزيغ والباطنة كالهوى والنفس ، وقول البيضاوي : وعنه عليه الصلاة والسّلام أنه رجع من غزوة تبوك فقال : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » « 1 » . حديث رواه البيهقي وضعف إسناده ، وقال غيره : لا أصل له ، قيل : أراد بالأصغر جهاد الكفار وبالأكبر جهاد النفس
حَقَّ جِهادِهِ
أي : باستفراغ الطاقة في كل ما أمر به من جهاد العدوّ والنفس على الوجه الذي أمر به من الحج والغزو وغيرهما . فإن قيل : ما وجه هذه الإضافة ، وكان القياس في حق الجهاد في اللّه أو حق جهادكم في اللّه ، كما قال تعالى :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ ؟
أجيب : بأنّ الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص ، فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لأجله صحت إضافته إليه ، وعن مجاهد عن الكلبي أنّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
[ التغابن ، 16 ] ، ولما أمر اللّه تعالى بهذه الأوامر أتبعها ببعض ما يجب به شكره وهو كالتعليل لما قبله فقال تعالى :
هُوَ اجْتَباكُمْ
أي : اختاركم لدينه ولنصرته ، وجعل الرسالة فيكم والرسول منكم وجعله أشرف الرسل ، ودينه أشرف الأديان ، وكتابه أعظم الكتب ، وجعلكم لكونكم أتباعه خير الأمم
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ
أي : الذي اختاره لكم
مِنْ حَرَجٍ
أي : من ضيق وشدّة وهو أنّ المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل اللّه تعالى له منه مخرجا بعضها بالتوبة وبعضها بردّ المظالم والقصاص ، وبعضها بأنواع الكفارات من الأمراض والمصائب وغير ذلك ، فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من الذنوب ومن العقاب لمن وفقه اللّه تعالى وسهله عند الضرورات كالقصر والتيمم وأكل الميتة والفطر للمريض والمسافر ، وغير ذلك ؛ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » « 2 » رواه البخاري ، وعن ابن عباس أنه قال : الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصار التي كانت عليهم وضعها اللّه تعالى عن هذه الأمة ، وقوله تعالى :
مِلَّةَ أَبِيكُمْ
نصب بنزع الخافض وهو الكاف أو على المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبله بحذف المضاف أي : وسع دينكم توسعة ملة أبيكم أو على الإغراء أي : اتبعوا ملة أبيكم ، أو على الاختصاص أي : أعني بالدين ملة أبيكم كقولك : الحمد للّه الحميد ، وقوله تعالى :
إِبْراهِيمَ
عطف بيان . فإن قيل : لم كان إبراهيم أبا للأمة كلها ؟ أجيب : بأنه أبو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان أبا لأمّته ؛ لأنّ أمّة الرسول في حكم أولاده . واختلف في عود ضمير
هُوَ
على قولين أحدهما أنه يعود على
هامش
( 1 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 6 / 379 ، 7 / 218 ، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 511 ، وعلي القاري في الأسرار المرفوعة 206 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الاعتصام حديث 7288 ، ومسلم في الحج حديث 412 ، والفضائل حديث 13 ، وأحمد في المسند 2 / 2 ، 508 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 628 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين