تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 633

مساهمون:

ص٦٣٣

تنبيه :

سمي الشئ المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدا ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
[ النساء ، 58 ] ، وقال تعالى :
وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ
[ الأنفال ، 27 ] ، وإنما تؤدّى العيون لا المعاني ويخان المؤتمن عليه لا الأمانة في نفسها . وقرأ ابن كثير : لأمانتهم بغير ألف بين النون والتاء على الإفراد لا من الإلباس أو لأنها في الأصل مصدر ، والباقون بالألف على الجمع . الصفة السابعة المذكورة في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ
التي وصفوا بالخشوع فيها
يُحافِظُونَ
أي : يواظبون عليها ولا يتركون شيئا من مفروضاتها ولا مسنوناتها يجتهدون في كمالاتها جهدهم ، ويؤدّونها في أوقاتها . فإن قيل : كيف كرّر الصلاة أولا وآخرا ؟ أجيب : بأنهما ذكران مختلفان فليس بمكرر وصفوا أولا بالخشوع في صلاتهم وآخرا بالمحافظة عليها وذلك أنّ لا يسهوا عنها ويؤدوها في أوقاتها ، ويقيموا أركانها ويوطنوا أنفسهم بالاهتمام بها وبما ينبغي أنّ تتم به أوصافها ، وأيضا فقد وحدت أولا ليفاد الخشوع في جنس الصلاة أي صلاة كانت وجمعت آخرا على غير قراءة حمزة والكسائي ، فإنّ غيرهما قرأ بالجمع ، وأمّا هما فقرأا بالإفراد لتفاد المحافظة على أعدادها وهي الصلوات الخمس والسنن المرتبة مع كل صلاة ، وصلاة الجمعة وصلاة الجنازة والعيدين والكسوفين والاستسقاء ، والوتر والضحى وصلاة التسبيح ، وصلاة الحاجة ، وغيرها من النوافل . ولما ذكر تعالى مجموع هذه الصفات العظيمة فخم جزاءهم فقال تعالى :
أُولئِكَ
أي : البالغون من الإحسان أعلى مكان
هُمُ الْوارِثُونَ
أي : المستحقون لهذا الوصف ، فيرثون منازل أهل الجنة في الجنة روي عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما منكم من أحد إلا وله منزلان ، منزل في الجنة ومنزل في النار ، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله » « 1 » وقال مجاهد : لكل واحد منزلان ، منزل في الجنة ومنزل في النار ، فأمّا المؤمن فيبني منزله الذي له في الجنة ويهدم منزله الذي له في النار ، وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة ويبني منزله الذي له في النار ، وقال بعض المفسرين : معنى الوراثة هو أن يؤول أمرهم إلى الجنة وينالوها كما يؤول أمر الميراث إلى الوارث .
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ
وهو أعلى الجنة ، عن عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، والفردوس أعلاها درجة ، منها تفجر أنهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون عرش الرحمن ، فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس » « 2 » اللهمّ بجاه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ تجعلنا ووالدينا وأحبابنا من أهله
هُمْ فِيها خالِدُونَ
أي : لا يخرجون منها ولا يموتون وأنث الفردوس بقوله تعالى :
فِيها ،
على تأنيث الجنة ، وهو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر ، روي « أنّ اللّه تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وجعل خلالها المسك الإذفر - وفي رواية : ولبنة من مسك مذرى - وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان » ، وروي « أنّ اللّه تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده وكتب التوراة
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الزهد حديث 4341 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التوحيد حديث 7423 ، وابن ماجة في صفة الجنة حديث 2529 .