تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 629

مساهمون:

ص٦٢٩
إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، وأنّ لكل نبيّ دعوة مستجابة ، ودعوة إبراهيم :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
[ البقرة ، 128 ] ، فاستجاب اللّه تعالى له فجعلها محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وأمّته ، والثاني : أنه يعود على اللّه تعالى في قوله تعالى :
هُوَ اجْتَباكُمْ ،
وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال إن اللّه تعالى
سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ
أي : في كل الكتب المنزلة التي نزلت قبل إنزال هذا لقرآن
وَفِي هذا
أي : وسماكم في هذا القرآن الذي أنزل عليكم من بعد إنزال تلك الكتب ، وهذا القول كما قال الرازي : أقرب لأنه تعالى قال :
لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ
أي : يوم القيامة أنه بلغكم
وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
أي : أنّ رسلهم بلغتهم ، فبيّن أنه تعالى سمّاهم بذلك لهذا الغرض ، وهذا لا يليق إلا بالله تعالى ، وإنما كانوا شهداء على الناس لسائر الأنبياء ؛ لأنهم لم يفرقوا بين أحد منهم وعلموا أنّ أخبارهم من كتابهم على لسان نبيهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلذلك صحت شهادتهم وقبلها الحكم العدل وعن كعب أعطيت هذا الأمة ثلاثا لم يعطهن إلا الأنبياء : جعلهم شهداء على الناس وما جعل عليهم في الدين من حرج ، وقال تعالى :
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[ غافر ، 60 ] ، وعن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال : لم يذكر اللّه بالإيمان والإسلام غير هذه الأمّة ذكرها بهما وكرّرهما جميعا ، ولم يسمع بأمة ذكرت بالإسلام والإيمان غيرها وعن مكحول أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « تسمى اللّه عز وجل باسمين سمى بهما أمّتي ؛ هو السّلام وسمى أمتي المسلمين ، وهو المؤمن وسمى أمتي المؤمنين » « 1 » . تنبيه : في الآية دليل على أنّ شهادة غير المسلم ليست مقبولة ، ولما ندبهم تعالى ليكونوا خير الأمم تسببب عن ذلك قوله تعالى :
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
التي هي أركان قلوبكم وصلة ما بينكم وبين ربكم أي : داوموا عليها
وَآتُوا الزَّكاةَ
التي هي طهرة أبدانكم ، وصلة بينكم وبين إخوانكم
وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ
أي : المحيط بجميع صفات الكمال في جميع ما أمركم به من المناسك التي تقدمت وغيرها ، ثم علل تعالى أهليته بقوله تعالى :
هُوَ
أي : وحده
مَوْلاكُمْ
أي : المتولي لجميع أموركم فهو ينصركم على كل من يعاديكم بحيث إنّ تتكمنوا من إظهار هذا الدين من مناسك الحج وغيرها ، ثم علل الأمر بالاعتصام وتوحده بالولاية بقوله تعالى :
فَنِعْمَ الْمَوْلى
أي : هو
وَنِعْمَ النَّصِيرُ
أي : الناصر لكم لأنه تعالى إذا تولى أحدا كفاه كل ما أهمه وإذا نصر أحد أعلاه عن كل من خاصمه « ولا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته » « 2 » الحديث إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، وهذا نتيجة التقوى ، وما قبله من أفعال الطاعة دليلها فقد انطبق آخر السورة على أوّلها ورد مقطعها على مطلعها ، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي » « 3 » حديث موضوع .
هامش
( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 / 373 ، والسيوطي في الحاوي للفتاوى 2 / 219 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 38 ، وأحمد في المسند 6 / 256 . ( 3 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 3 / 176 .