تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 627

مساهمون:

ص٦٢٧
وتعالى خير النعت عزيز الوصف ، فالأوهام لا تصوّره والأفكار لا تقدره ، والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحدّه ، صمديّ الذات سرمديّ الصفات . ولما ذكر سبحانه وتعالى ما يتعلق بالإلهيات ذكر ما يتعلق بالنبوّات بقوله تعالى :
اللَّهُ
أي : الملك الأعلى
يَصْطَفِي
أي : يختار ويختص
مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا
كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم الصلاة والسّلام
وَمِنَ النَّاسِ
كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعليهم نزلت حين قال المشركون :
أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا
[ ص ، 8 ] فأخبر تعالى أنّ الاختيار إليه يختار من يشاء من خلقه
إِنَّ اللَّهَ
أي : الذي له الجلال والجمال
سَمِيعٌ
لمقالتهم
بَصِيرٌ
بمن يتخذه رسولا .
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
أي : الرسل
وَما خَلْفَهُمْ
أي : علمه محيط بما هم مطلعون عليه ، وبما غاب عنهم ، فلا يفعلون شيئا إلا بإذنه
وَإِلَى اللَّهِ
أي : وحده تعالى
تُرْجَعُ
بغاية السهولة
الْأُمُورُ
يوم يتجلى لفصل القضاء فيكون أمره ظاهرا لا خفاء فيه ، ولا يصدر شيء من الأشياء إلا على وجه العدل الظاهر لكل أحد ، ولا يكون لأحد التفات إلى غيره ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء وكسر الجيم ، والباقون بضم التاء وفتح الجيم . ولما أثبت سبحانه وتعالى أنّ الملك والأمر له وحده خاطب المقبلين على دينه وهم الخلص من الناس بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أي : تلبسوا بالإيمان
ارْكَعُوا
تصديقا لإيمانكم
وَاسْجُدُوا
أي : صلوا الصلاة التي شرعتها لكم فإنها رأس العبادة ليكون دليلا على صدقكم في الإقرار بالإيمان . تنبيه : إنما خص هذين الركنين في التعبير عن الصلاة لأنهما لمخالفتهما الهيئات المعتادة هما الدالان على الخضوع ، فحسن التعبير بهما ، وذكر عن ابن عباس أنّ الناس كانوا في أوّل الإسلام يركعون ولا يسجدون ، وقيل : كان الناس أوّل ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود حتى نزلت هذه الآية ، ولما خص أفضل العبادة عمم بقوله تعالى :
وَاعْبُدُوا
أي : بأنواع العبادة
رَبَّكُمْ
أي : المحسن إليكم بكل نعمة دينية ودنيوية ، ولما ذكر عموم العبادة أتبعها ما قد يكون أعم منها مما صورته صورتها ، أو قد يكون بلا نية ، فقال :
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
أي : كله من القرب كصلة الأرحام وعيادة المريض ونحو ذلك من معالي الأخلاق بنية وبغير نية حتى يكون لكم ذلك عادة فيخف عليكم عمله للّه تعالى ؛ قال أبو حيان : بدأ تعالى بخاص وهو الصلاة ، ثم بعام وهو : واعبدوا ربكم ، ثم بأعمّ وهو : وافعلوا الخير
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
أي : افعلوا هذا كله وأنتم راجون الفلاح وهو الفوز بالبقاء في الجنة طامعون فيه غر مستيقنين ، ولا تتكلوا على أعمالكم ، وقال الإمام أبو القاسم الأنصاريّ : لعل كلمة ترج تشعر بأنّ الإنسان قلما يخلو في أداء فريضة من تقصير ، وليس هو على يقين من أنّ الذي أتى به مقبول عند اللّه والعواقب مستورة وكل ميسر لما خلق له . تنبيه : اختلف في سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية فذهب قوم إلى أنه يسجد عندها ، وهو قول عمر وعليّ وابن عمر وابن مسعود وابن عباس ، وبه قال ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود وقول البيضاوي ولقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فضلت سورة الحج بسجدتين من لم يسجدهما فلا يقرأهما » « 1 » حديث ضعيف رواه الترمذي وضعفه ، وذهب قوم إلى
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الجمعة حديث 578 ، ومالك في القرآن حديث 13 ، وأحمد في المسند 4 / 151 .