تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
عَيْنَيْكَ ،
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » « 1 » ، وقال أبو الدرداء : الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له ، وعن الحسن لولا حمق الناس لخربت الدنيا ، وعن عيسى ابن مريم : لا تتخذوا الدنيا دارا ، فتتخذكم لها عبيدا . ولما أمر اللّه تعالى نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بتزكية النفس أمره بأن يأمر أهله بالصلاة بقوله عز وجل :
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ
أي : أمر أهل بيتك والتابعين لك من أمتك بالصلاة كما كان أبوك إسماعيل يدعوهم إلى كل خير إذ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وليتعاونوا على الاستعانة على خصاصتهم ، ولا يهتموا بأمر المعيشة ، ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي رضي اللّه عنهما كل صباح ويقول : الصلاة
وَاصْطَبِرْ
أي : داوم
عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ
أي : نكلفك
رِزْقاً
لنفسك ولا لغيرك
نَحْنُ نَرْزُقُكَ
وغيرك كما قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
[ الذاريات ، 56 - 58 ] ففرّغ بالك لأمور الآخرة ، وفي معناه قول الناس : من كان في عمل اللّه كان اللّه في عمله . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أصاب أهله ضرّ أمرهم بالصلاة ، وتلا هذه الآية ، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلطان قرأ :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ
الآية ، ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم اللّه وعن بكر بن عبد اللّه المزني كان إذا أصاب أهله خصاصة قال : قوموا فصلوا بهذا أمر اللّه رسوله ، ثم يتلو هذه الآية :
وَالْعاقِبَةُ
أي : الجميلة المحمودة
لِلتَّقْوى
أي : لأهل التقوى قال ابن عباس : الذين صدقوك واتبعوك واتقوني ، ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر :
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
[ الأعراف ، 128 ] ، ولا معونة على الرزق وغيره بشيء يوازي الصلاة ، فقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حز به أمر أي بالباء الموحدة أي : إذا أحزنه فزع إلى الصلاة قال ثابت : وكان الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة ، وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يقول اللّه تعالى : تفرغ لعبادتي املأ صدرك غنى وأسد فقرك ، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك » « 2 » ، وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه اللّه هم دنياه ، ومن تشعبت به هموم أحوال الدنيا لم يبال اللّه في أي أوديتها هلك » « 3 » وعن زيد بن ثابت قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من كانت الدنيا همه فرق اللّه عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن كانت الآخرة همه جمع اللّه له أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة » « 4 » . ثم إنه تعالى بعد هذه الوصية حكى عنهم شبها بقوله تعالى :
وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ
فكأنه من لوازم قوله تعالى :
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
وهو قولهم :
لَوْ لا
أي : هلا يأتينا بآية ،
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 2564 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في القيامة حديث 2466 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4107 . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة في المقدمة حديث 257 . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة في الزهد حديث 4105 .