تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
ولما وعد تعالى من اتبع الهدى أتبعه بوعيد من أعرض فقال تعالى :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
أي : عن القرآن ، فلم يؤمن به ولم يتبعه
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
والضنك أصله الضيق والشدة ، وهو مصدر ، فكأنه قال : له معيشة ذات ضنك ، واختلف في ذلك ، فقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن مسعود : المراد بالمعيشة الضنك عذاب القبر ، وروى أبو هريرة أنّ عذاب القبر للكافر ، قال : قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفسي بيده ليسلط عليه في قبره تسعة وتسعون تنينا هل تدرون ما التنين ؟ تسعة وتسعون حية لكل حية تسعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه ، وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون » « 1 » ، وقال الحسن وقتادة والكلبي : هو الضيق في الآخرة في جهنم ، فإنّ طعامهم الضريع والزقوم ، وشرابهم الحميم والغسلين ، فلا يموتون فيها ولا يحيون ، وقال ابن عباس : المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها ، وعن عطاء : المعيشة الضنك هي معيشة الكافر ؛ لأنه غير موقن بالثواب والعقاب ، وروي عن علي رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « عقوبة المعصية ثلاثة ؛ ضيق المعيشة والعسر في الشدة ، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية اللّه » « 2 » ، وذلك أن مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على اللّه تعالى ، وعلى قسمته ، فهو ينفق ما رزقه اللّه تعالى بسماح وسهولة ، فيعيش عيشا رفيعا كما قال اللّه تعالى :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
[ النحل ، 97 ] ، والمعرض عن الدين مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الانفاق فعيشه ضنك ، وحاله مظلمة ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى إليه ثانيا ، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب اللّه على من تاب » « 3 » متفق عليه . قال بعض الصوفية : لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته ، وتشوش عليه رزقه ، وقال تعالى :
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
[ نوح : 10 ، 11 ] الآية ، وقال تعالى :
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً
[ الجن ، 16 ] . ثم ذكر حال المعرض في الآخرة بقوله تعالى :
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
قال ابن عباس : إذا خرج من القبر خرج بصيرا ، فإذا سيق إلى المحشر عمي ، ولعله جمع بذلك بين هذا وبين قوله تعالى :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا
[ مريم ، 38 ] ، وقال عكرمة : عمي عليه كل شيء إلا جهنم ، وفي لفظ قال : لا يبصر إلا النار ، وعن مجاهد المراد بالعمى عدم الحجة ، ويؤيد الأول قوله تعالى :
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى
في هذا اليوم ؟
وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
أي : في الدنيا ، أو في أول هذا اليوم ، فكأنه قيل : بم أجيب ؟ فقيل :
قالَ
له ربه
كَذلِكَ
أي : مثل ذلك فعلت ، ثم فسره فقال :
أَتَتْكَ آياتُنا
واضحة نيرة
فَنَسِيتَها
فعميت عنها ، وتركتها غير منظور إليها
وَكَذلِكَ
أي : ومثل تركك إياها
الْيَوْمَ تُنْسى
أي : تترك في العمى والعذاب .
وَكَذلِكَ
أي : ومثل هذا الجزاء الشديد
نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ
في متابعة هواه ، فتكبر عن
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في نوادر الأصول 2 / 101 . ( 2 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 3 ) أخرجه البخاري في الرقاق حديث 6438 ، ومسلم في الزكاة حديث 1048 ، والترمذي في الزهد حديث 2337 .