تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
اللَّيْلِ
أي : ساعاته
فَسَبِّحْ
أي : صل المغرب والعشاء ، وقوله تعالى :
وَأَطْرافَ النَّهارِ
معطوف على محل من آناء المنصوب أي : صل الظهر ؛ لأن وقتها يدخل بزوال الشمس ، فهو طرف النصف الأول ، وطرف النصف الثاني قال ابن عباس : دخلت الصلوات الخمس في ذلك ، وقيل : المراد الصلوات الخمس والنوافل ؛ لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها ، فالليل والنهار داخلان في هاتين العبارتين . وأوقات الصلوات الواجبة دخلت فيهما ، فبقي قوله :
وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ
للنوافل ، وقال أبو مسلم : لا يبعد حمل التسبيح على التنزيه والإجلال ، والمعنى : اشتغل بتنزيه اللّه تعالى في هذه الأوقات . فإن قيل : النهار له طرفان ، فكيف قال :
وَأَطْرافَ النَّهارِ
ولم يقل : طرفي النهار ؟ أجيب بوجهين : أظهرهما : أنه إنما جمع لأنه يلزم في كل نهار ويعود ، والثاني : أن أقل الجمع اثنان ، وقرأ قوله تعالى :
لَعَلَّكَ تَرْضى
أبو بكر والكسائي بضم التاء أي : ترضى بما تنال من الثواب كقوله تعالى :
وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا
[ مريم ، 55 ] ، وقرأ الباقون بفتحها أي : ترضى بما تنال من الشفاعة قال تعالى :
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
[ الضحى ، 5 ] ، وقال تعالى :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[ الإسراء ، 79 ] ، والمعنى على القراءتين لا يختلف ؛ لأن اللّه تعالى إذا أرضاه فقد رضيه ، وإذا رضيه فقد أرضاه ، ولما كانت النفس ميالة إلى الدنيا مرهونة بالحاضر من فاني العطايا . وكان تخليها عن ذلك هو الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها قال تعالى مؤكدا إيذانا بصعوبة ذلك :
وَلا تَمُدَّنَّ
مؤكدا له بالنون الثقيلة
عَيْنَيْكَ
أي : لا تطول نظرهما بعد النظرة الأولى المعفو عنها
إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ
في هذه الحياة الفانية
أَزْواجاً
أي : أصنافا
مِنْهُمْ
أي : الكفرة استحسانا له وتمنيا أن يكون لك مثله والإمتاع : الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة ، ويسمع من الأصوات المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من الملابس والمناكح ، وقوله تعالى :
زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا
أي : زينتها وبهجتها منصوب بمحذوف دل عليه متعنا ، أو به على تضمنه معنى أعطينا ، فأزواجا مفعول أول ، وزهرة هو الثاني ، وذكر ابن عادل غير هذين الوجهين سبعة أوجه لا حاجة لنا بذكرها ، ثم علل تعالى تمتعهم بقوله تعالى :
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
أي : لنفعل بهم فعل المختبر ، فيكون سبب عذابهم في الدنيا بالعيش الضنك لما مضى ، وفي الآخرة بالعذاب الأليم ، فصورته تغرّ من لم يتأمل معناه حق التأمل ، فما أنت فيه خير مما هم فيه
وَرِزْقُ رَبِّكَ
في الجنة
خَيْرٌ
مما أوتوه في الدنيا
وَأَبْقى
أي : أدوم أو ما رزقته من نعمة الإسلام والنبوّة ، أو لأنّ أموالهم الغالب عليها الغصب والسرقة والحرمة من بعض الوجوه ، والحلال خير وأبقى ، قال الزمخشري : لأن اللّه تعالى لا ينسب إلى نفسه إلا ما حل وطاب دون ما حرم وخبث ، والحرام لا يسمى زرقا انتهى ، وهذا جار على مذهبه المخالف لأهل السنة من أن الحرام لا يسمى زرقا ، وقال أبو مسلم : الذي نهى عنه بقوله :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ
ليس هو النظر بل هو الأسف أي : لا تأسف على ما فاتك مما نالوه من حظ الدنيا ، وقال أبو رافع : نزلت هذه الآية في ضيق نزل بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبعثني إلى يهودي يبيع أو يستلف إلى مدة ، فقال : واللّه لا أفعل إلا برهن ، فأخبرته بقوله فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض احمل إليه درعي الحديد » « 1 » فنزل قوله :
وَلا تَمُدَّنَّ
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 109 ، والروياني في مسنده 1 / 472 .