تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
بهمزة الوصل بين الفاء والجيم ، وفتح الميم ، والباقون بهمزة مقطوعة وكسر الميم
ثُمَّ ائْتُوا
أي : للقاء موسى وهارون
صَفًّا
أي مصطفين ؛ لأنه أهيب في صدور الرائين . تنبيه : اختلفوا في عدد السحرة ، فقال الكلبي : كانوا اثنين وسبعين ساحرا ؛ اثنان من القبط ، وسبعون من بني إسرائيل ، وقال عكرمة : كانوا تسعمائة ؛ ثلاثمائة من الفرس ، وثلاثمائة من الروم ، وثلاثمائة من الإسكندرية . وقال وهب : خمسة عشرة ألفا ، وقال السدي : بضعة وثلاثون ألفا ، وقال القاسم بن سلام : كانوا سبعين ألفا ، وقيل : اثني عشر ألفا مع كل منهم على كل قول حبل وعصا ، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة ، وظاهر القرآن لا يدل على شيء من هذه الأقوال . ولما كان التقدير : فمن أتى كذلك فقد استعلى عطف عليه قوله :
وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ
في هذا الجمع الذي ما اجتمع مثله قط
مَنِ اسْتَعْلى
أي : فاز بالمطلوب من غلب ، فلما أتى السحرة موسى .
قالُوا
له متأدبين ؛ لأنّ لين القول مع الخصم إن لم ينفع لم يضر ؛ بل نفعهم قال بعضهم : ولذلك رزقهم اللّه تعالى الإيمان ببركته
يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ
أي : ما معك مما تناظرنا به أولا
وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ
نحن
أَوَّلَ مَنْ أَلْقى
ما معه .
قالَ
لهم موسى مقابلا لأدبهم بأحسن منه ، ولأنه فهم أن مرادهم الابتداء ، وليكون هو الآخر ، فتكون له العاقبة بتسليط معجزته على سحرهم ، فلا يكون بعدها شك لا ألقي أنا أولا
بَلْ أَلْقُوا
أنتم أولا ، فانتهزوا الفرصة ؛ لأن ذلك كان مرادهم بما أفهموه من تغيير السياق والتصريح بالأول ، فألقوا ما معهم من الحبال والعصي
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ
أي : التي ألقوها قد فاجأت أنه
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ
تخييلا مبتدأ
مِنْ سِحْرِهِمْ
أي : الذي قد فاقوا به أهل الأرض
أَنَّها
لشدة اضطرابها
تَسْعى
فإن قيل : كيف يجوز أن يقول موسى :
بَلْ أَلْقُوا
فيأمرهم بما هو سحر ؟ أجيب : بأن ذلك الأمر كان مشروطا ، والتقدير : ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين ؛ كما في قوله تعالى :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة ، 23 ] ، أي : إن كنتم صادقين ، وفي القصة أنهم لما ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس ، فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيات ، وكانت قد أخذت ميلا من كل جانب ، ورأوا أنها تسعى ، وقيل : لطخوها بالزئبق ، فلما وقعت عليها الشمس اضطربت ، فخيل إليهم أنها تتحرك ، وقرأ ابن ذكوان تخيل بالتاء الفوقية على التأنيث ، والباقون بالياء على إسناده إلى ضمير الحبال .
فَأَوْجَسَ
أي : أحس
فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
عليه الصلاة والسّلام فإن قيل : كيف استشعر الخوف ، وقد عرض عليه المعجزات الباهرات كالعصا واليد ، ثم إن اللّه تعالى قال له بعد ذلك :
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
فكيف وقع الخوف في قلبه ؟ أجيب بأوجه : أحدها : أنه خاف من جهة أن سحرهم من جنس معجزته أن يلتبس أمره على الناس ، فلا يؤمنوا به ، الثاني : أنه خوف طبع البشرية مثل ما خاف من عصاه أول ما رآها كذلك ، الثالث : لعله كان مأمورا أن لا يفعل شيئا إلا بالوحي ، فلما تأخّر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت خاف أن لا ينزل عليه الوحي في ذلك الجمع ، فيبقى الخجل . ثم إنه أزال ذلك الخوف بقوله تعالى :
قُلْنا لا تَخَفْ
من شيء من أمرهم ولا غيره ، ثم علل ذلك بقوله تعالى ، وأكده أنواعا من التأكيد لاقتضاء الحال إنكار أن يغلب أحد ما أظهروا من