تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
الر كِتابٌ
مبتدأ وخبر ، أو كتاب خبر مبتدأ محذوف ، وتقدم الكلام على أوائل السور أول سورة البقرة . وقرأ أبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي بالإمالة ، والباقون بالفتح . وقوله تعالى :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ
صفة للكتاب وفسر الإحكام بوجوه : الأوّل : أحكمت آياته ، أي : نظمت نظما محكما لا يقع فيه نقص ولا خلل كالبناء المحكم المرصف ، ولا يعتريه إخلال من جهة اللفظ والمعنى ، ولا يستطيع أحد نقض شيء منه ولا الطعن في شيء من بلاغته أو فصاحته . الثاني : أنّ الإحكام عبارة عن منع الفساد من الشيء فقوله :
أُحْكِمَتْ آياتُهُ ،
أي : لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به كما قال ابن عباس . الثالث : أنها أحكمت بالحجج والدلائل ، أو جعلت حكيمة منقول من حكم بالضم إذا صار حكيما ؛ لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية وقوله تعالى :
ثُمَّ فُصِّلَتْ
صفة أخرى للكتاب ، أي : بينت بالأحكام والقصص والمواعظ والأخبار ، وبالإنزال نجما نجما ، أو فصل فيها ولخص ما يحتاج إليه ، أو بجعلها سورا . وقال الحسن : أحكمت بالأمر والنهي ثم فصلت بالوعد والوعيد . تنبيه : معنى ثم في قوله :
ثُمَّ فُصِّلَتْ
ليس للتراخي في الوقت لكن في الحال كما تقول : هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل ، وفلان كريم الأصل ثم كريم الفعل . وقوله تعالى
مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
أي : اللّه تعالى صفة أخرى للكتاب ، والتقدير : الر كتاب من حكيم خبير ، أو خبر بعد خبر والتقدير : الر من لدن حكيم خبير أو صلة لأحكمت وفصلت ، أي : أحكمت وفصلت من لدن حكيم خبير . وعلى هذا التقدير قد حصل بين أوائل هذه السورة وبين آخرها مناسبة لطيفة ، كأنه يقول تعالى : أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم بكيفيات الأمور . وقوله تعالى :
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
يحتمل وجوها : الأوّل : أن تكون مفعولا له والتقدير : كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل أن لا تعبدوا إلا اللّه . الثاني : أن تكون مفسرة ؛ لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول ، قال الرازي : والحمل على هذا أولى ؛ لأنّ قوله تعالى :
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا
معطوف على قوله تعالى :
أَلَّا تَعْبُدُوا
فيجب أن يكون معناه ، أي : لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفا على النهي ، فإنّ كونه بمعنى لأن لا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه . الثالث : أن يكون كلاما مبتدأ منقطعا عما قبله على لسان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إغراء منه على اختصاص اللّه تعالى بالعبادة ، ويدلّ عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم
إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ
أي : اللّه
نَذِيرٌ
بالعقاب على الشرك
وَبَشِيرٌ
بالثواب على التوحيد ، كأنه قيل : ترك عبادة غير اللّه تعالى بمعنى اتركوها إنني لكم منه نذير وبشير كقوله تعالى :
فَضَرْبَ الرِّقابِ
[ محمد ، 4 ] . تنبيه : هذه الآية الكريمة مشتملة على أشياء مترتبة : الأوّل : أنه تعالى أمر أن لا تعبدوا إلا اللّه لأنّ ما سواه محدث مخلوق مربوب ، وإنما حصل بتكوين اللّه وإيجاده ، والعبادة عبارة عن إظهار الخضوع والخشوع ونهاية التواضع والتذلل ، وذلك لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن ، فثبت أن عبادة غير اللّه تعالى منكرة . المرتبة الثانية : قوله تعالى :
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ .
المرتبة الثالثة : قوله
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
واختلفوا في بيان الفرق بين هاتين المرتبتين على
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 49 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين