يريدون من الإخفاء
إِنَّهُ
تعالى
عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
أي : بالقلوب وأحوالها .
ولما أعلم تعالى ما يسرّون وما يعلنون أردفه بما يدل على كونه عالما بجميع المعلومات بقوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
فذكر تعالى أن رزق كل حيوان إنما يصل إليه من اللّه تعالى ، فلو لم يكن عالما بجميع المعلومات لما حصلت هذه المهمات ، والدابة اسم كل حيوان دب على وجه الأرض ، ولا شك أن أقسام الحيوانات وأنواعها كثيرة وهي الأجناس التي تكون في البرّ والبحر والجبال ، واللّه تعالى عالم بكيفية طباعها وأعضائها وأحوالها وأغذيتها ومساكنها وما يوافقها ويخالفها ، فالإله المدبر لأطباق السماوات والأرض ولطبائع الحيوانات والنبات كيف لا يكون عالما بأحوالها ! روي أن موسى عليه السّلام عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأحوال أهله فأمره اللّه تعالى أن يضرب عصاه على صخرة ، فانشقت وخرج منها صخرة ثانية ، ثم ضرب عصاه عليها فانشقت وخرج منها صخرة ثالثة ، ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة وفي فيها شيء يجري مجرى الغذاء لها ، ورفع اللّه تعالى الحجاب عن سمع موسى عليه السّلام فسمع أنّ الدودة كانت تقول : سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني . فإن قيل : إن كلمة
عَلَى
للوجوب فيدل على أنّ إيصال الرزق إلى الدابة واجب على اللّه تعالى . أجيب : بأنه تعالى إنما أتى بذلك تحقيقا لوصوله بحسب الوعد والفضل والإحسان وحملا على التوكل فيه . وفي هذه الآية دليل على أنّ الرزق قد يكون حراما لأنه ثبت أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على اللّه تعالى بحسب الوعد واللّه تعالى لا يخل به ، ثم قد نرى أنّ إنسانا لا يأكل من الحلال طول عمره ، فلو لم يكن الحرام رزقا لكان اللّه تعالى ما أوصل رزقه إليه فيكون اللّه تعالى قد أخل بالواجب ، وذلك محال فعلمنا أنّ الحرام قد يكون رزقا
وَيَعْلَمُ
تعالى
مُسْتَقَرَّها
قال ابن عباس : هو المكان الذي تأوي إليه وتستقر فيه ليلا ونهارا
وَمُسْتَوْدَعَها
هو الذي تدفن فيه إذا ماتت . وقال عبد اللّه بن مسعود :
المستقر : أرحام الأمهات ، والمستودع : المكان الذي تموت فيه . وقال عطاء : المستقر : أرحام الأمهات ، والمستودع : أصلاب الآباء . وقيل : الجنة أو النار والمستودع القبر . لقوله تعالى في صفة الجنة والنار :
حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا
[ الفرقان : 76 ]
ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً
[ الفرقان : 66 ] ولا مانع أن يفسر ذلك بهذا كله
كُلٌّ
أي : كل واحدة من الدواب ورزقها ومستقرّها ومستودعها
فِي كِتابٍ
أي : ذكرها مثبت في اللوح المحفوظ
مُبِينٍ
أي : بيّن كما قال تعالى :
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ الأنعام ، 59 ] .
ولما أثبت تعالى بالدليل المتقدّم كونه عالما بالمعلومات أثبت كونه تعالى قادرا على كل المقدورات بقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
أي : من أيام الدنيا أوّلها الأحد وآخرها الجمعة ، وتقدّم الكلام على تفسير ذلك في سورة الأعراف
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
قال كعب : خلق ياقوتة خضراء ، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ، ثم وضع العرش على الماء . وقال أبو بكر الأصمّ : ومعنى قوله تعالى :
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
كقولهم : السماء على الأرض ، وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر . وقال حمزة : إن اللّه عز وجل كان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وخلق القلم ، فكتب به ما هو خالقه ، وما هو كائن من خلقه ، ثم إن ذلك الكتاب سبح اللّه تعالى