تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
والاستعداد فيه بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح ، أو في الصلاة باستقبال القبلة وقوله :
حَنِيفاً
حال من فاعل أقم أو من الدين أو من الوجه ، ومعناه : مائلا مع الدين غير معوج عنه إلى دين آخر وقوله تعالى :
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
أي : ممن يشرك بالله في عبادته غيره فتهلك ، خطابا للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد أمّته ، أي : ولا تكونن أيها الإنسان وكذا قوله تعالى :
وَلا تَدْعُ
أي : تعبد
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : غيره
ما لا يَنْفَعُكَ
أي : إن عبدته
وَلا يَضُرُّكَ
إن لم تعبده
فَإِنْ فَعَلْتَ
ذلك
فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ
لنفسك ؛ لأنك وضعت العبادة في غير موضعها ، والظلم : وضع الشيء في غير محله ، فإذا كان ما سوى الحق معزولا عن التصرّف كان إضافة التصرّف إلى ما سوى الحق وضعا للشيء في غير موضعه فيكون ظلما . ولما ذكر اللّه تعالى الأوثان وبيّن أنها لا تقدر على ضرّ ولا نفع بيّن تعالى أنه هو القادر على كل شيء وأنه ذو الجود والكرم والرحمة بقوله تعالى :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ
أي : يصبك
اللَّهُ بِضُرٍّ
كفقر ومرض
فَلا كاشِفَ
أي : لا دافع
لَهُ إِلَّا هُوَ
لأنه الذي أنزله بك
وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ
كرخاء وصحة
فَلا رَادَّ
أي : دافع
لِفَضْلِهِ
أي : الذي أرادك به
يُصِيبُ بِهِ
أي : بالخير
مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ
أي : البليغ الستر للذنوب
الرَّحِيمُ
أي : البالغ في الإكرام . وقرأ أبو عمرو وقالون والكسائي بسكون الهاء ، والباقون بالضم ، فرجح سبحانه وتعالى جانب الخير على جانب الشر من ثلاثة أوجه : الأوّل : أنه تعالى لما ذكر إمساس الضر بين أنه لا كاشف له إلا هو ، وذلك يدل على أنه تعالى يزيل المضار ؛ لأنّ الاستثناء من النفي إثبات ، ولما ذكر الخير لم يقل بأنه يدفعه بل قال : إنه لا راد لفضله ، وذلك يدل على أنّ الخير مطلوب بالذات وأنّ الشر مطلوب بالعرض كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : عن ربه تعالى أنه قال : « سبقت رحمتي غضبي » « 1 » . الثاني : أنه سبحانه وتعالى قال في صفة الخير يصيب به من يشاء من عباده ، وذلك يدل على أن جانب الخير أقوى وأغلب . الثالث : أنه تعالى قال
وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
وهذا أيضا يدل على قوّة جانب الرحمة . وحاصل الكلام في هذه الآية : أنه سبحانه وتعالى بيّن أنه منفرد بالخلق والإيجاد والتكوين والإبداع وأنه لا موجد سواه ولا معبود إلا إياه ، وأنّ جميع الممكنات مسندة إليه وجميع الكائنات محتاجة إليه ، فالأيدي مرفوعة إليه ، والحاجات منتهية إليه ، والعقول وآلهة فيه ، والرحمة والجود فائض منه . ولما قرر تعالى الدلائل المذكورة في التوحيد والنبوّة والمعاد ، وزين أمر هذه السورة بهذه البيانات الدالة على كونه تعالى مبتدئا بالخلق والإبداع والتكوين والاختراع ختمها بهذه الخاتمة الشريفة العالية لئلا يبقى لأحد عذر بقوله تعالى :
قُلْ
يا محمد
يا أَيُّهَا النَّاسُ
أي : الذين أرسلت إليهم
قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ
هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء بالحق من اللّه تعالى والقرآن فلم يبق لكم عذر
فَمَنِ اهْتَدى
أي : آمن بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وعمل بما في الكتاب
فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ
لأنه اتبع الحق الثابت وترك الباطل الزائل ، فأنقذ نفسه من النار وأوجب لها الجنة فثواب اهتدائه له
هامش
( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل .